صلى الله عليه وسلم وتم فتح مكة, واختيار هرقل لأقربهم نسبًا لا يخلو من حكمة . فإن القريب سواء أكان صديقًا أم عدوًا يعرف من أخبار قريبه ما لا يعرفه البعيد, وكذلك أمره أن يجعل أصحابه من ورائه وأن يكذبوه أن كذب, فإن هرقل كان يعلم أن العرب حتى في جاهليتها وخصوصًا اشرافها يستقبحون الكذب ولا يرضون به أن يؤثر عنهم, وقد صرح أبو سفيان لشدة عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يمنعه من الكذب إلا الخوف من أن يحدث أصحابه أهل مكة إذا رجعوا إليهم أنه كذب, وهذا البرهان هو سؤال هرقل عن نسب هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي أهو شريف أم وضيع, فأخبره أبو سفيان أن نسبه شريف, وإنما سأل هرقل هذا السؤال علمًا منه بإن الله أرحم بعباده من أن يبعث رسولًا ذا نسب وضيع في قوم, ويكلفهم أتباعه وطاعته لأن النفوس تنفر من ذلك كل النفور, ولذلك نرى الملوك دائمًا من ذوي الأنساب الشريفة بخلاف الفقر فإنه لا يضر النسيب الحسيب كما قال الشاعر:
ولا ترى في غير الصرم منقصة وما سواه فإن الله يكفيني
قال تعالى في قصة طالوت من سورة البقرة رقم 247: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ أ هـ . ولم نر رسولًا أرسله الله من أهل بيت وضيع, محتقر في قومه وبهذا احتج المهاجرون على الأنصار حين قالوا منا أمير ومنكم أمير, فقال المهاجرون: أن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش ولذلك كانت الأمامة في قريش بنص الحديث الصحيح, ولم يخف هذا على هرقل فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها .