قال شيخ الإسلام رحمه الله بعد إيراد هذا الحديث: (( فقد نهى عنه في آخر حياته ، ثم إنه لعن و هو في مرض الموت من فعله و الصلاة عند القبور من ذلك و إن لم يبن مسجد ، و هو معنى قولها( أي السيدة عائشة ) (( خشي أن يتخذ مسجدا ) )فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا ، و كل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا ، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (( جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا ) ))) انتهى .
قال محمد تقي الدين: في هذا الحديث دليل على أن أبا بكر الصديق هو أفضل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و هو الذي يستحق أن يكون خليفة بعده .
قال العلماء: الخلة أعلى درجة من المحبة ، و لذلك صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمحبة لأبي بكر و ابنته عائشة و عمر بن الخطاب و معاذ بن جبل ، و أبى أن يتخذ أحدا من أهل الأرض خليلا . و الله سبحانه و تعالى يحب التوابين و يحب المتطهرين ، و يحب الصالحين المتواضعين للمؤمنين ، الأشداء على أعداء الإسلام كما قال في سورة المائدة: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه . أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم } (1) و مع ذلك لم يتخذ أحدًا من خلقه خليلًا إلا إبراهيم و محمدًا صلوات الله و سلامه عليهما و إلى تفوق مرتبة الخلة على المحبة يشير قول الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني و بذا سمي الخليل خليلا
أخرج أحمد و أبو حاتم و ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة و هم أحياء و الذين يتخذون القبور مساجد ) ).
(1) المائدة: 54 .