و إن الأبرار لا يرضون بدعاء من دعاهم لأنه عبادة لغير الله و سيكفرون بهم يوم القيامة حين يحشر الناس ، يزيد ذلك وضوحًا ما أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ: { و قال ربكم ادعوني استجب لكم } (1) )).
الثاني: الاستغاثة قال الله تعالى في سورة الأنفال: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } (2) ، أخرج أحمد و مسلم و أبو داود و الترمذي من حديث عمر بن الخطاب قال: (( لما كان يوم بدر نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه و هم ثلاثمائة و نيف ، و نظر إلى المشركين فإذا هم ألف و زيادة فاستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة و عليه رداؤه و إزاره ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا ، فما زال يستغيث ربه و يدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله ! كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز و جل { إذ تستغيثون ربكم } ) )الآية ، فنحن نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستغيث ربه ، و أصحابه كانوا يستغيثون ربهم كذلك و لم يستغيثوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الاستغاثة عبادة ، و هي خاصة بالله تعالى . فمن استغاث بغيره فقد أشرك .
و روى الطبراني بإسناده عن عبادة بن الصامت أنه كان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين ، فقال بعضهم فقوموا بنا نستغيث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا المنافق ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إنه لا يستغاث بي ، و إنما يستغاث بالله ) ).
قال شيخ الإسلام: (( الاستغاثة هي طلب الغوث ، و هو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر ، و الاستغاثة طلب العون ) ).
(1) غافر: 60 .
(2) الأنفال: 9 .