وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما يحتاطان [1] في قبول الأخبار، ويطلبان الشهادة على الحديث أحيانًا؛ من أجل تمييز الخطأ والوهم في الحديث النبوي، ثم اهتم العلماء به من بعد؛ لئلا ينسب إلى السنة المطهرة شيء ليس منها خطأ. فعلم العلل له مزية خاصة، فهو كالميزان لبيان الخطأ من الصواب، والصحيح من المعوج، و قد اعتنى به أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولا يزال الباحثون يحققون و ينشرون تلكم الثروة العظيمة التي دَوَّنَها لنا أولئك الأئمة العظام كعلي ابن المديني، و أحمد، و البخاري، و الترمذي، و ابن أبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم [2] .
وما ذلك إلا لأهمية هذا الفن فـ (( التعليل [3] أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها ) ) [4] . ولأهميته أيضًا نجد بعض جهابذة العلماء يصرّح بأنَّ معرفة العلل والبحث عنها، مقدم على مجرد الرواية دون سبر ولا تمحيص، يقول عبد الرحمان بن مهدي: (( لأَنْ أعرف علة حديث هو عندي، أحب إليَّ من أنْ أكتب حديثًا ليس
(1) في احتياط الصحابة , انظر:"السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"لمصطفى السباعي: 75 , وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يستحلف الراوي أحيانًا , فقد روى الإمام أحمد في مسنده 1/ 2 عن علي، قال: (( كنت إذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته ) )، قال الحافظ ابن حجر في"تهذيب التهذيب"1/ 267 - 268: (( هذا حديث جيد الإسناد ) ).
(2) انظر ماسيأتي من المصنفات فيه.
(3) قال البقاعي في"النكت الوفية"1/ 503 بتحقيقي: (( صوابه الإعلال ) ).
(4) "نكت ابن حجر"2/ 714 و: 488 بتحقيقي.