ومن ذلك ما قاله يوحنا في الفصل الخامس عشر من إنجيله إن المسيح قال البارقليط الذي يرسله أبي من بعدي ما يقول من تلقاء نفسه شيئا ولكن يناجيكم بالحق كله ويخبركم بالحوادث والغيوب. وهذه صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالأخبار المتواترة بحيث لا ينكرها إلا مخذول مطرود عن أبواب رحمة الله تعالى. فأما كونه لا ينطق عن الهوى وما يقول إلا بوحي يوحى فهذا يشهد الله به ولا خلاف فيه بين أمته. وأما إخباره بالحوادث والغيوب فباب واسع جمعت فيه كتب وهو بحر لا يحاط بساحله. وفي كتاب الشفا للسيد الفقيه الإمام حجة الإسلام أبي الفضل عياض ما فيه مقنع واعتبار لأولي الألباب. وأما ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم من كتب الأنبياء المتقدمين صلوات الله عليهم أجمعين فمن ذلك ما قاله داود عليه السلام في الزبور الثاني والتسعين إنه يملك من البحر إلى البحر ومن أدنى الأنهار إلى مطلع التراب وتأتيه ملوك اليمن والجزائر بالهداية وتسجد له الملوك وتدين له بالطاعة والانقياد ويصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم وتنور بأنواره المدينة ويدوم ذكره إلى أبد الأبد واسمه موجود قبل وجود الشمس. وهذه كلها صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والوجود يشهد له وكل من دفع هذه الصفات عنه فلا يجد في العالم أحدا يستحقها وإن ادعاها مدع لغيره من الأنبياء كان مجاهرا بالبهتان. ثم لا أعلم أحدا بعد داود نسبت له هذه الصفات الجليلة وهو قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلماء اليهود يعلمون أنها صفاته الذاتية ولكن يكتمون ذلك لشقاوتهم السابقة في الأزل.
ومن ذلك ما قاله يعقوب النبي في الفصل الثالث من كتابه في آخر الزمان يجيء الرب من القبلة والقدس من جبال فاران. ومجيء الرب تبارك وتعالى هو مجيء وحيه والقدس هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ظهر من جبال فاران وهي مكة وأرض الحجاز.