وأشنع منه قولهم في هذه القاعدة بأن عيسى له طبيعتان لاهوتية وناسوتية وأنهما صارتا شيئا واحدا والنور والظلمة صارا شيئا واحدا لأن ادعاء هذا في الماء والنار والنور والظلمة إنما كان محالا من جهة أن كل واحد من هذه ضد للآخر وخالق الخلق الغني بذاته وصفاته عنهم المقدس في عظمته وكبريائه عن شبه شيء منهم كيف يتقرر في عقل سليم أنه ما برح بعض مخلوقاته حتى صارا شيئا واحدا فتعالى الله الملك الحق عما يشركون، وأين كان لاهوته لما مات ناسوته لا سيما على قولهم إنهما اتحدا وتمازجا والتحما فما الذي فرق بينهما عندما ضرب جسده وناسوته بالسياط على زعمهم وعصب رأسه بالشوك وصلب على خشبة وطعن بالرماح حتى مات وهو يصيح جزعا وخوفا فأين غاب لاهوته عن ناسوته في هذه الشدائد مع الممازجة والالتحام على قولهم وهم يزعمون لعنهم الله أن لاهوته فارقه عند الصلب والقتل وهبط إلى جهنم فأخرج منها الأنيباء وكان ناوسته في القبر مدفونا حتى رجع لاهوته فأخرجه من القبر ورجع إليه وصعد به إلى السماء وهذه كلها دعاوي باطلة وهي من الكفر الركيك وفضائح لا ترخص لعقل سليم وكيف يزعمون أن لعيسى طبيعتين صارتا شيئا واحدا وفي أناجيلهم ما يشهد بأنه ليس له إلا طبيعة واحدة وهي الآدمية. وبرهان ذلك ما قاله متى في الفصل العاشر من إنجيله إن عيسى عليه السلام لما انتقل إلى مدينته التي ولد بها استخف به الناس فقال لا يستخف بنبي إلا في مدينته. فهذا إقرار منه بأنه نبي من جملة الأنبياء وليس للأنبياء كلهم إلا طبيعة واحدة آدمية. ويؤيد ذلك أيضا ما قاله شمعون الصفا رئيس الحواريين لليهود عندما نافقوا على المسيح: يا رجال بني إسرائيل اسمعوا مقالتي، إن المسيح هو رجل ظهر لكم من عند الله بالقوة والتأييد والمعجزات التي أجراها الله على يديه وأنتم كفرتم به.