قد أقام سنة العدل في جميع رعاياه وساسهم بالكتاب والسنة ومن مناقبه إكرام العلماء وأهل الصلاح وتعظيم قدومهم عليه وإكرام الشرفاء آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذل جزيل العطاء لهم حتى أنهم قدموا إليه من مشارق الأرض ومغاربها وكل من أقام في بلاده منهم مشى له المرتبات والعوائد والكسوات ومن ارتحل لأرضه أجزل صلته وأكرم وفادته وقد جعل لهم ستين دينارا في كل عام تدفع لزوارهم ليلة المولد العظيم الشريف لينفقوها في الوليمة، أخرج ذلك للمولود الكريم الشريف وجعلها من أعشار الديوان تحريا للحلال سوى ما يصحبها من الطيب وماء الورد والبخور. وأما إنصافه للمظلوم كائنا من كان البتة فقد اشتهر عنه حتى صار قواده وخواصه يسلكون طريقته في العدل ويجتنبون الحيف والأذى ولا يتركون أحدا يشكوهم إليه. وقد جعل قوته وقوت عياله وملابسهم وسائر ضرورياتهم من خوف الله تعالى على أعشار النصارى وجزية اليهود تحريا للحلال في ذلك فلا يزال يتعاهد أهل السجون في غالب أحيانه بسرح من استحق السراح وينجز أحكام الجنايات منهم. وأما كثرة صدقاته فأمر منتشر وقد رتب لتوزيعها ذماما يحتوي على من يستحقها من البنين وذوي الإحسان والمروآت وأسنده إلى الفقيه العدل المدرس أبي عبد بن سلام الطبري فيوصل كل ذي حق منها حقه من المال المعين والطعام والزيت وماشية البقر والغنم من الزكاة وهكذا يفعل في جميع عماله. ومن لطيف مآثره ما يوجهه في العام صحبة ركبان الحجاج لبيت الله الحرام وجيران قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيفرق بمكة والمدينة من الأموال ما يوسع به على القاطنين والمجاورين هناك أثابه الله تعالى ويوجه مع ذلك من المال والكسوة لمشايخ العرب المعروفة ببرقة من العصاة عوائد يمنعهم بها من اعتراض الحجيج ويرغبهم في تسهيل ذلك الطريق.