وإنما أهل الكوفة فلا يشترطون فيها أكثر من دخولها على النكرة وأجازوا زِيادتها في الواجب وحكوا في ذلك: قد كانَ مِنْ مطرٍ، وقد كان مِنْ حديثٍ فَخَلِّ عَنّي، التقدير عندهم: قد كان مطرٌ، وقد كان حديثٌ فخلِّ عنّي وهذا لا حجة لهم فيه، لاحتمال أن تكون مِنْ مُبعِّضة ويكون التقدير: قد كان كائنٌ من مطرٍ، وقد كان كائن من حديثٍ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وإن كانت غير مختصة. وقد تقدم في باب النعت أن ذلك يحسن في الكلام مع مَنْ.
وأما الأخفش فلم يشترط في زيادتها شيئًا بل أجاز زيادتها في الواجب وغيره وفي المعارف والنكرات فأجاز: جاءني من زيدٍ: واستدل على ذلك بقوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ} (الأحقاف: 31) . ألا ترى أن المعنى يغفرْ لكم ذنوبكم لا بعضَها لأن ذلك خطاب لمن يؤمن من الكفار، قال عليه السلام: الإيمان يَجُبُّ ما قبله. أي يُذهِبُ حكمَهُ ويُبطِلُه، فالمغفور إذن لمن آمن منهم جميعُ ذنوبِهِم لا بعضها.
وهذا لا حجة فيه لاحتمال أن تكون من مُبَعِّضه ويكون ذلك ممّا حذف فيه الموصوف وقامت الصفة مقامه، فكأنه قال: يغفرْ لكم جُملة من ذنوبِكم وذلك أن المغفور لهم بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام من الذنوب وما تقدّم لهم من الذنوب في حال الكفر بعضُ ذنوبِهم.
على أن أهل البصرة قد يجيزون زيادتها في الواجب وفي المعرفة في ضرورة الشعر:
نحو قوله:
أمهَرْتُ مِنها جُبّةً وتَيْسًا
يريد: أمهرتُها. وإنما يشترطون الشرطين المذكورين في فصيح الكلام. فإن قيل: فهل الشرطان الملتزمان عند أهل البصرة في زيادة مِنْ لأمرٍ أوجب ذلك أم لمجرد ورود السماع على حسب ما ذكروه؟