فإن قدَّمتَ معمول الخبر قبل هذه الأفعال فلا يخلو أن تقدّمه وحدَه أو مع الخبر، فإن قدَّمته مع الخبر جاز في كل موضع يجوز فيه تقديم الخبر وذلك نحو: في الدارِ قائمًا كان زيدٌ، فإن قدَّمتَه وحده لم يجز كان ظرفًا أو مجرورًا أو غير ذلك، فلا تقول: في الدار كانَ زيدٌ قائمًا، ولا يومَ الجمعة كانَ زيدٌ منطلقًا ولا طعامَك كانَ زيدٌ آكلاَ لكثرة الفصل بين المعمول الذي هو صلة الخبر والعامل الذي هو الخبر.
وأما أهل الكوفة فلا يجيزون: كان قائمًا زيدٌ، ولا قائمًا كان زيد على أن يكون في قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر ويكون قائمًا خبرًا مقدمًا، لأنَّ ضمير الرفع عندهم لا يتقدّم على ما يعود عليه أصلًا. ويجوز عند أهل البصرة لأنَّ المضمر مرفوع بما النية به التأخير والمضمر إذا كانت النية فيه التأخير عن الظاهر جاز تقديمه عليه، وسنبين ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. ولكنهم أجازوا تقديم قائمًا على زيد على أن يكون قائمًا خبر كان وزيد مرفوع به واسم كان ضمير الأمر والشأن ولا يثنى قائمًا لرفعه الظاهر.
هذا مذهب الكسائي ومن أخذ بمذهبه، وهو باطل عندنا، لأنَّ ضمير الأمر والشأن لا يُفسّر إلاّ بجملة والاسم الرافع للظاهر هنا ليس بجملة.
وأجازه الفراء على أن يكون قائمًا خبر كان وزيد مرفوع بكان وقائم (وقائم) لا يثنى عنده لرفع الظاهر مع أنه يتقدَّر بالفعل، ألا ترى أنك تقول كان يقوم زيد وكان قيام زيد، ليكون في معنى كان قائمًا زيدًا.
وهذا فاسد لأنّه لا يجوز إعمال عاملين في معمول واحد، وسيقام الدليل على ذلك في باب الإعمال إن شاء الله تعالى.
وكذلك أجاز الكسائي أن تقول: قائمًا كان زيدٌ، على أن يكون قائمًا خبرًا مقدَّمًا وقد رفع الظاهر، وزيد مرفوع به وفي كان ضمير الأمر والشأن ولا يثنى قائم لرفعه الظاهر كما كان يفعل ذلك مع التوسط.