ومن ذلك قبول الهدية بالرسول الواحد ، والإذن بالواحد لعرف الناس واستعمالهم وجري عادتهم به ، فهو يقبل من البالغ وغير البالغ والذكر والأنثى ، والمسلم والكافر ، والواحد ، والاثنين ، والحر والعبد .
ويقبل قول القصاب في الذكاة ؛ لأن الإنسان يشتريه على الظاهر أنه ذكي ، فلو لم يخبره لما ضره ، فهو يقبل من الذكر والأنثى ومن مثله يذبح ، والمسلم والكتابي ، والله أعلم . [24] .
باب
القول فيما يلزم المستفتي العامي
يجب عند مالك ـ رحمه الله ـ على العامي إذا أراد أن يستفتي ضرب من الاجتهاد ، وهوأن يقصد إلى أهل العلم الذي يريد ان يسأل عنه ولا يسأل جميع من يلقاه ، ولكنه إذا أرشد إلى فقيه نظر إلى هيئته وحذقه بصنعته ، وسأل عن مبلغ علمه وأمانته ، فمن كان أعلى رتبة في ذلك استفتاه وقبل قوله وفتواه ؛ لأن هذا أوثق لدينه وأحوط لما [26] يقدم عليه من أمر شريعته ، ويصير هذا بمنزلة الخبرين والقياسين إذا تعارضا عند العالم واحتاج إلى الترجيح بينهما ويرجح بينهما ، وكذلك العامي في المعنيين ، والله أعلم . [27] .
باب
القول فيما يلزم فيه الاجتهاد وما لا يلزم
ومذهب مالك ـ رحمه الله ـ أنه إذا دخل رجل إلى قرية خراب لا أحد فيها ، وحضر وقت الصلاة ، فإن كان من أهل الاجتهاد ، ولم تخف عليه دلائل القبلة ، يرجعإلى ذلك ، ولم يلتفت إلى محاريب يشاهدها في آثار مساجد قد خربت ، فإن خفيت عليه الدلائل أو لم يكن من أهل الاجتهاد ، وكانت القرية للمسلمين ؛ فإنه يصلي إلى مصلى تلك المحاريب ؛ لأن الظاهر من بلاد المسلمين أن مساجدهم وآثارهم لا تخفى ، وأن قبلتهم وحاربهم على ما توجبه الشريعة .