فذم الله تعالى على ترك اتباع الحجة والتقليد بغير حجة ، فدل على صحة ما قلناه والله أعلم . [12]
باب
القول فيما يجوز فيه التقليد
فمما يجوز عند مالك ـ رحمه الله ـ في مثله التقليد للعامي مما ليس للعالم فيه فيه طريق إلا أن يكون من اهله ، يجوز عند مالك ـ رحمه الله ـ أن يقلد القائف في إلحاق الولد بمن يلحقه إذا كان القائف عدلا في دينه بصيرا بالقيافة ؛ لأنه علم قد خصهم اله عز وجل به [14] . والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة مجزز المدلجي وقوله لما رأى أقدام زيد وأسامة: إن بعض هذه الأقدام من بعض ، فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكره لعائشة ـ رضي الله عنها ـ ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم لا يسر إلا بالحق .
وقد روى ابن نافع عن مالك أنه لا يقبل إلا من عدلين قائفين ذكرين . [15]
ويجوز تقليد التجار في تقويم المتلفات ، ويكفي في ذلك واحد إلا أن تتعلق القيمة بحد ، فلا بد من اثنين لمعرفتهم بذلك وطول دربتهم به .
قال القاضي ـ رحمه الله ـ وقد وجدت في موضع أنه لا يجوز في كل تقويم إلا اثنان وإنما جاز تقليده في ذلك لأنه علم يختصون به ، والضرورة تدعو إليه ، فجاز قبول قولهم فيه .
ويجوز تقليد القاسم إذا قسم شيئا بين اثنين على ما رواه ابن نافع [ 16] عن مالك مالك رحمه الله وهذا كما يقلد المقوم في أوروش الجنايات لمعرفته بذلك .
قال القاضي أبو الحسن: وكان الشيخ أبو بكر بن صالح الأبهري ـ رحمه الله ـ قال لي قديما: يجب أن يكونا نفسين ، ثم رجع عن ذلك .
وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يقبل قول القاسم فيما قسم [18] وإن كان معه آخر ، قال: لأنه يشهد على فعل نفسه كالحاكم ، إلا أن يكون الحاكم أرسلهما فيقبل شهادتهما .
ويجوز تقليد الخارص فيما يخرصه ويكفي في ذلك واحد ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث ابن رواحة على الخرص وحده . [ 19]