فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 47

ومذهب مالك ـ رحمه الله ـ قبول خبر الواحد العدل وأنه يوجب العمل دون القطع على غيبه ، وبه قال جميع الفقهاء .

وقد احتج مالك لذلك في المتبايعين بالخيار ما لم [67] يفترقا ، وكذلك في غسل الإناء من ولوغ الكلب ، وفي مواضع كثيرة .

والدليل على وجوب العمل به قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات:6] .

فدل على أن العدل لا يتثبت في خبره ، إذ لو كان الفاسق والعدل سواء ، لم يكن لتخصيص الفاسق بالذكر فائدة . [68] .

وإنما لم يقطع على غيبه ؛ العلم لا يحصل من جهته ، إذ لم كان يحصل من جهته العلم لوجب أن يستوي فيه كل من سمعه كما يستوون في العلم بمخبر خبر التواتر ، فلما كنا نجد أنفسنا غير عالمين بصحة مخبره ، دل على أنه لا يقطع على مغيبه ، وأنه بخلاف خبر التواتر ، فصار خبر الواحد بمنزلة الشاهد الذي قد أمرنا بقبول شهادته ، وإن كنا لا نقطع على صدقه .

فإن قيل بأن في سياق الآية ما يوجب التوقف عن خبره ، وهو قوله عز وجل: { أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ } [الحجرات:6] والجهالة قد تدخل في خبر العدل من حيث كان خبره لا يقطع على مغيبه ، من حيث كان السهو والغلط والكذب جائزا عليه .

قيل: الجهالة في هذا الموضع هي السفاهة ، وفعل ما لا يجوز فعله مما يقع التوبيخ والذم عليه ، وقد جاز التوبيخ على الجهل في بعض المواضع ولو كانت الجاهلة لا تكون إلا بمعنى الغلط ، لقبح الذم والتوبيخ على فعلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت