ذلك من الله جلَّ وعلا ، وقد قال جلَّ من قائل: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلايملكون كشف الضر عنكم ولاتحويلا } [ الإسراء: 56 ] أي لايملكون دفع الضر عنكم ، ولاتحويله إلى غيركم ، فالذي يقدر عليه هو الله وحده .
ثمَّ ذكر المؤلف الآية: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنَّني براءٌ مما تعبدون - إلاَّ الذي فطرني } ففي هذه الآية أخبر الله عز وجل أنَّ إبراهيم عليه السلام أعلن لأبيه وقومه براءته من عباداتهم ولمَّا كانت عبادتهم مخلوطة ، فهم تارةً يعبدون الله ، وتارةً يعبدون غيره ؛ تبرأ إبراهيم من عبادتهم لغير الله ، واستثنى من ذلك عبادة الله الذي فطرهم ، وفطر غيرهم أي خلق جميع المخلوقين فأثبتها ، ونفى سواها حيث قال: { إنني براءٌ مما تعبدون - إلاَّ الذي فطرني } فإنَّ عبادته وحده هي دأبي ، وعقيدتي ، وقرة عيني الذي تقر عيني به ، وأطمئنُّ إليه ، وإلى عبادته ، وتسكن نفسي إلى عبادته وحده { إلاَّ الذي فطرني } ابتدأ خلقي ، وكلمة فطر معناها ذلك ، وقد قال ابن عباس:"ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما أنا فطرتها"أي أنا الذي أبتدأت إنشاءها ، فمعنى فطرني ابتدأ إنشاء خلقي ؛ لذلك فهو المستحق أن تصرف إليه عبادتي ، ثمَّ قال:
وقوله: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } الأحبار هم العلماء ، والرهبان هم العبَّاد ، ومن عادة الناس أن يرجعوا إلى هذين الصنفين ، وأن يأخذوا بكلامهم ، فقد عاب الله عزَّ وجل على الكفار اتخاذ الأحبار ، والرهبان أربابا من دون الله ؛ حيث جعلوهم مشرعين يحلون لهم ما حرَّم الله فيحلونه ، ويحرمون عليهم ما أحلَّ الله فيحرمونه ، وليس هذا بإطلاقه يوجب الخروج من الإسلام ، ولكن في ذلك تفصيل: -