الصفحة 7684 من 9223

8/18 أخلاقه وأحواله: كان فريدًا في كل أحواله، فقد أبرز منه هذا المركز الذي كان فيه زهاء خمس وثلاثين سنة درة صافية، وياقوتة فريدة، وإمامًا مبرزًا، قلما يوجد له نظير، فقد تولى قضاء ( تارودانت ) وهي إذ ذاك عاصمة ( سوس ) ينسحب نظر قاضيها على كل قبائل ما يسمى بـ ( رأس الوادي ) وما حواليها من ( هيلانة ) وقبائل الأطلس ( وسكتانة ) و ( هشتوكة ) و ( ماسة ) وما إليها من القبائل والجبال، فيستنيب عنه عشرات النواب، وكان بذلك في ملتقى سيول الأموال، لو أنه كان يهتم بجمعها، ثم مضى له زمان طويل كان مظنة تأثيل الأملاك ولو شيئًا فشيئًا، ولكن كم يطول عجب القارئ إن أخبرناه بأنه لم يتأثل ولو حقلًا واحدًا، ولا ظهرت له أموال مثل ما تظهر لأمثاله الذين يكونون في مثل مركزه ولو بضع سنين، فلم يكن له من العقار إلا دار سكناه، وهي دار صديقه القاضي سيدي محمود، اشتراها من ورثته في ولايته الأولى، ولعل ذلك بما كان في يده من دارهم التجارة والمشارطة، وإلا بستان صغير ورثته زوجه من أهلها، ولا من الدواب إلا بقرة أرصدها للاستعانة بحليبها على قوت عياله، وكل ما دخل يده بعد ذلك فإنه يجعله في الكتب وفي قوت أهله وفي صرفه في وجوه البر والإحسان، أو في تعليم أولاده وقد أخبر ولده سيدي أحمد بأنه لم يوجد في تركته من الأموال إلا مائتا ألف فرنك، وهذا القدر بالنسبة لمن كان في مركزه إنما يعادل مستفاد شهر أو شهرين أو ثلاثة على الأكثر، فأين ذلك من خمس وثلاثين سنة ؟ وأين هو من الذين يزنونه باكتناز الملايين ؟ ولكنه كما قال الشاعر:

* لقد علم الأقوام لو أن حاتمًا * أراد ثراء المال كان له وفر *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت