لهذا اليوم أدخرك أيها اليراع الكاتب , فأرني كل ما تستطيعه من وشي ونمنمة يأخذان بالأبصار ، ويجلوان أفكار الناظرين ؛ فكما أنه لا عطر بعد عروس وكما أنه لا شرب بعد ري ، فكذلك لا أتوقف عليك بعد اليوم , كما أتوقف عليك في هذا اليوم الذي أجلس فيه لألج حرم مقام شيخي ومربي: سيدي سعيد التناني الذي به وحده بعد فضل الله وتوفيقه نلت ما نلت من أدب غض . يقف إزاءه الناس طرائق قددا ، فمنهم من يقول: إن صاحبه من نباش الرموس . ومنهم من يقول أنه من فتاحي الكنوز . يختلفان بعدما يتفقان على أنه شيئ جديد غير مألوف عند كثير من أدبائنا السوسيين إلى الآن . وهو نثر مرسل محدث . بعد أن لم يؤلف عندهم إلى السجع وحده . حتى أن كل نثر غير مسجوع لا ينظر إليه عندهم باستحسان .
إن أنس لا أنس تلك الأيام التي كان يستنهضني فيها أستاذي هذا إلى الأدب . ويحثحثني فيها على الجد والإكباب . حتى أحوز قصب السبق , وأنال مرتبة الشفوف . ويقول لي فيما يقول: إنك لو أتقنت علم الأولين والآخرين ثم لم تكن أديبا . فلا يكون لك وجه غير الألغيين . ولكن إن آتيتهم بالأدب وجليت فيه , فإنك ستنال من بينهم مكانة مع ما يتيسر لك بعد من العلوم الأخرى وإن لم تكن إلا ضئيلة . فإن قطب العلوم عندهم إنما هو الأدب وحده . فمن حرمه من بينهم ، فقد حرم ما يتحلى به ، وإن أتقن ما سطره الأولون والآخرون . وهي كلمة حق برهنت عن فكرة القوم .