الصفحة 9 من 52

…أما بعد فقد سُئلتُ أكثر من مرتين ، عن حكم المسح على الجوربين ، وذُكِر لي ما دعت إليه الحاجة من إظهار الحكم في هذه المسألة وإشاعته والصدع بإفادته للأمة وإبانته . ومن قبل رثى بعض أساتذة المدارس لما تعانيه الأطفال والبنات في الوضوء أيام الشتاء من مشقة غسل الرجلين وما ينالهما من الألم ببرودتهما ، وكذلك ما تقاسيه الفقراء في الشتاء من جراء غسلهما . وأُخبرت بأن كثيرًا من أولاد المدارس - وكذلك الفتيان والنساء - لا يصلون أيام الشتاء ن لما يقاسون من ألم غسل الرجلين ، بما تصاب به القدمان في الشتاء من مرض التورم ( المسمى عند العامة: التثليج ) وبقشف الجلد (1) والتقرُّح . وكذلك قصَّ عليَّ ما يناله المسافر في السفن البحرية ، والمراكب البخارية ، من المشقة لو أراد غسل الرجلين ، وأن كثيرًا من ركابهما قد لا يصلون لصعوية غسلهما في ذينك الموضعين .

…ذُكر لي كلُّ ذلك وتُليَت عليَّ عدة قصص ، على أن كثيرًا من الناس يتركون الصلاة لنبذهم التفقه في الدين ، وجهلهم برخص الشرع المتين .

…وقيل لي لو أنهم يعلمون رخصة تيسِّر لهم الأمر ، وتَرفع عنهم الإصر لما وجدوا عذرًا في ترك الصلاة التي هي من أعظم دعائم الإيمان ، وأشهر شعائر الإسلام .

…فكنت أجيب السائلين بأن دين الإسلام ، تكفَّل بما فيه اليسر ورفع الحرج في سائر الأحكام ، وقد فتح من أبواب التسهيل في الأمور ما لا يوجد أيسر منه ، ولذلك كان رحمة وشفاء لما في الصدور . وأقول لهم: بَلْهَ ما بُنِيَت عليه هذه الملَّة الغراء من اليسروالسماحة ، وكون أساس دينها رفع الحرج واتساع الأمر إذا ضاق ، فإن المسألة ( مسألة المسح على الجوربين ) معروفة عند جميع الفقهاء مشهورة ، منصوص عليها في الأحاديث المأثورة ، وهي مذهب الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ، ورواة الحديث أجمعين . فلا عذر لأحد في الجهل بها ، وأي متفقه لا يهتم بتعلمها وطلبها وهي من الفروع الفقهية المهمة الواجب تعلمها على الأمة ولا علم إلا بالتعلُّم ، ولا فقه إلا بالتفهم ومن لم يتطلب العلم ولم يجدَّ للفقه والفهم ففي ظلام دامس ، وضلال طامس ، فلا هداية إلا بنور الفقه وعلم اليقين ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) .

(1) 1 أي تغيره وقذره ، يأتي القشف بمعنى ذلك كما في ( القاموس ) ومنه استعير للمرض المعروف في جلد اليدين والقدمين أيام قرس البرد وكأنه يغير الجلد ويقذِّره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت