الصفحة 10 من 52

…ثمَّ رُغِب إليَّ أن أجمع في هذه المسألة كتابًا لطيفًا أحشر إليه الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والموقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم ، والمأثورة عن التابعين ، ومذاهب الأئمة المشهورين . فاستخرت الله تعالى واستعنته ، وبذلت الجهد في التنقيب عن المروي في هذا الباب ، واستقرأت معظم ما قاله الأئمة . ثم جمعت في هذه الورقات نخب ما طالعته واستقرأته ، فلله الحمد في الأولى والآخرة ، وهو ولي الصالحين .

المسح على الجوربين

بيان أنَّ مردَّ الأحكام الشرعية إلى الكتاب الكريم لأنه أصل الأُصول

اعلم أن أصل كل حكم شرعي هو الكتاب الكريم ، لأنه أصل الأصول ومأخذ المآخذ وكليّ الكليات ، فلا يمكن لحكم ما من الأحكام الشرعية إلا وأن يرجع إليه ويصدر منه ، حتى إن السنة النبوية أصلها كتاب الله تعالى لأنها تفصيل لمجمله ، وإيضاح لمبهمه وطريق من طرق الاستنباط منه . فكل سنَّة بحث عن أًصلها باحث خبير فإنه يجدها في كتاب الله تعالى ، مدلولًا عليها إما من نص آية أو ظاهرها أو مفهومها أو إشارتها أو عمومها ، إلى غير ذلك من وجوه الاستنباط التي يعلمها المجتهد ، ويذكر بعضها في فنِّ الأصول .

…إذا علمتَ ذلك فمسألتنا هذه - مسألة المسح على الجوربين - أصلها في الكتاب الكريم إما من عموم المسح في آية الوضوء ، وإما من عمومات أخَر .

…فأما ( العموم الأول ) فسنده قراءة الجرِّ في قوله تعالى: ( وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) (المائدة: من الآية6) فإن ظاهرها أن الفرض في الرجلين هو المسح ، كما روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعكرمة والشعبي وقتادة وجعفر الصادق وعلماء سلالته رضي الله عنهم أجمعين . فعلى مذهب هؤلاء الأئمة يكون مفاد الآية وجوب المسح على الرجلين مباشرة أو بما عليها من خُف أو جورب أو تساخين (1) فيظهر كون الآية مأخذًا للسنة على هذه القراءة .

(1) 1 خالف الشيعة في هذا ، فلم يجوزوا المسح على خف ولا جورب ولا تساخين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت