…وهذا إسناد صحيح . أحمد بن شعيب: هو النسائي الحافظ صاحب السنن . عمرو بن علي: هو الفلاَّس ، الحافظ الحجة . أبو زياد سهل بن زياد الطحَّان: ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير ( 2/2/103-104) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ( 2/1/197 ) - فلم يذكرا فيه جرحًا ، فهو ثقة عندهما . وذكره ابن حبان في الثقات ، كما في لسان الميزان ( ج 3 ص 118 ) . وذكر أن الأزدي قال فيه: ( منكر الحديث ) ، دون بيان سبب الجرح . والأزدي ينفرد بجرح كثير من الثقات ، فلا يؤبه لتجريحه إذا تفرد به . والأزرق ابن قيس: تابعي ثقة مأمون . مترجم في التهذيب .
…وهذا الحديث موقوف على أنس من فعله وقوله . ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل ، بل صرح بأن الجوربين ( خفان ولكنهما من صوف ) . وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة قبل دخول العجمة واختلاط الألسنة . فهو يبين أن معنى ( الخف ) أعم من أن يكون من الجلد وحده ، وأنه يشمل كل ما يستر القدم ويمنع وصول الماء إليها (1) . إذ أن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد فأبان أنس أن هذا الغالب ليس حصرًا للخف في أن يكون من الجلد ، وأزال الوهم الذي قد يدخل على الناس من واقع الأمر في الخِفاف إذ ذاك . ولم يأتِ دليل من الشارع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط .
…وقول أنس في هذا أقوى حجة ألف مرة من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة ، كالخليل والأزهري والجوهري وابن سيده وأضرابهم . لأنهم ناقلون للغة ، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد ، ومع ذلك يحتج بهم العلماء . فأولى ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر أصلي من مصادر اللغة وهو الصحابي العربي من الصدر الأول ، بإسناد صحيح إليه .
(1) 1 قوله و ( يمنع وصول الماء إليها ) قلت: لعل هذا القول سبق قلم من العلامة أحمد شاكر رحمه الله ، فإنه ليس في أثر أنس المذكور هذا القيد أو الشرط ، بل هو أعم من ذلك بدليل أن الصوف لا يمنع وصول الماء إلى القدم كما هو معلوم بالتجربة . فأرى أن الصواب حذف هذا القول من سياق كلام العلامة رحمه الله ، لأنه لا دليل عليه كما سبق ، ولأنه أليق بموضوع رسالة العلامة القاسمي رحمه الله تعالى الذي اختار جواز المسح على الجورب الرقيق - وهو الحق . وهذا القول ينافيه كما لا يخفى .