…أما السنة ، فالأحاديث الصحيحة التي رواها جمع من الصحابة في صحيح مسلم والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها ففيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح ، وفي بعضها رخص في المسح ، وفي غيرها: جعل المسح للمقيم يومًا وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، ومن الواضح جدًا أن الحديث كالنص على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح ، وهو كالنص أيضًا على رد القول الأول لأن مقتضاه كما نصوا عليه في الفروع أن من صلى الفجر قبيل طلوع الشمس ، ثم أحدث عند الفجر من اليوم الثاني ، فتوضأ ومسح لأول مرة لصلاة الفجر ، فليس له المسح بعدها ! فهل يصدق على مثل هذا أنه مسح يومًا وليلة ؟! أما على القول الثاني الراجح فله أن يمسح إلى قبيل الفجر من اليوم الثالث . بل لقد قالوا أغرب مما ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إن كان مسافرًا انقضت المدة ولم يجز المسح بعد ذلك حتى يستأنف لبسًا على طهارة (1) . فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة ، بناء على هذا الرأي المخالف للسنة ! ولذلك لم يسع الإمام النووي إلا أن يخالف مذهبه - وهو الحريص على أن لا يخالفه ما وجد إلى ذلك سبيلا- لقوة الدليل ، فقال رحمه الله تعالى بعد أن حكى القول الأول ومن قال به (1/478) : ( وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث ، وهو رواية عن أحمد وداود ، وهو المختار والراجح دليلًا ، واختاره ابن المنذر ، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وحكى الماوردي والشاشي عن الحسن البصري أن ابتداءها من اللبس ، واحتج القائلون من حين المسح بقوله صلى الله عليه وسلم:( يمسح المسافر ثلاثة أيام ) . وهي أحاديث صحاح كما سبق ، وهذا تصريح بأنه يمسح ثلاثة ، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت المدة من المسح ، ولأن الشافعي رضي الله عنه قال: إذا أحدث في الحضر ومسح في السفر أتم مسح مسافر فعلق الحكم بالمسح . واحتج أصحابنا برواية رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرزي في حديث صفوان: ( من الحدث إلى الحدث ) وهي زيادة غريبة ليست ثابتة ، وبالقياس ... ) .
(1) 1 ذكره النووي في المجموع ( 1/486 )