الصفحة 23 من 52

وأما قوله: وليس في اللفظ عموم يتعلق به ، فيقال فيه: هذا إشارة إلى ما ذكر في الأصول من أن الفعل المثبت لا عموم له ، فحكايته لا تقتضي العموم ، لا للأقسام ، ولا لجهات الوضع ، ولا للأزمان .

إلا أن هذا على مذهب من لم يقل بعموم المشترك ولا بعموم جهات الوضع ، فأما من ذهب إلى العموم فيهما فقد ذهب إلى العموم فيه .

كذلك قيّد المحققون دعوى عدم العموم فيه بما إذا لم يوجد في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الإستغراق ( كالجوربين والتساخين ) وإلا فإنه يفيد العموم ، ودليلهم أن المحكي عنه صلوات الله عليه واقع على صفة معينة فيكون في معنى المشترك ، فإن رجح بعض الوجوه فذاك ، وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله والباقي بالقياس عليه .

وقد اعترض بأن فعله صلى الله عليه وسلم إنما وقع بحال معين . وأجيب بعدم التسليم لجواز أن تتعدد جهات وقوع الفعل كما أوضحه العلامة الفناري في ( فصول البدائع ) .

وأما قوله: إن البيهقي حكى عن النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة وكأنه قال مسح على جوربيه المنعلين ، فيعني بذلك ما قاله البيهقي في سننه وقد حكى ذلك ثم قال بعده: وقد وجدت لأنسٍ أثرًا يدل على ذلك فأسند عنه أنه مسح على جوربين أسفلهما جلود وأعلاهما خز . أهـ . (1) وتعقبه العلامة علاء الدين المارديني في ( الجوهر النقي ) بقوله: أي الحديث - أي حديث المغيرة - ورد بعطف النعلين على الجوربين وهو يقتضي المغايرة فلفظه مخالف لهذا التأويل ، وكون أنس مسح على جوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي عليه السلام فعل ذلك ، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه . أهـ .

وقال ابن الهمام في فتح القدير في ردِّ هذا التأويل: إن تخصيص الجواز بوجود النعل حينئذٍ قصْرٌ للدليل - أعني الحديث - والدلالة عن مقتضاه بغير سبب . أ هـ . أي بغير ما يدعو له لا من لفظه ولا من مقتضاه ، فإن صريحه أنه صلوات الله عليه مسح على الجوربين وعلى النعلين كلًا على انفراده ، وأيده في النعلين أحاديث كثيرة مخرجة في دوواين السنة:

فروى الإمام أبو داود في سننه عن أوس بن أبي أوس الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وقدميه .

(1) 1 قلت: وسنده عن البيهقي ( 1/285 ) جيد ، والتعقب الآتي عن المارديني قوي جدًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت