وقد كان بعض المحققين يسمي هذه الطريقة بطريقة ( قبول الأخبار بالاستدلال ) ليعادل ما بحثه الأصوليون في مسألة ( رد الخبر بالاستدلال ) كما تراه مبسوطًا في المسوّدة وغيرها من مطولات الأصول . وعبارة المسوَّدة: مما يرجح فيه الخبر ويقدم أن يعتضد بعموم كتاب أو سنة أو قياس أو معنى عقلي .
وقد ذهب كثير من أئمة الأصول إلى أن الحديث المتلقى بالقبول يفيد العلم ، والحديث الذي عضده عمل الصحب ، وكذا ما اختلفوا فيه بين آخذٍ ومؤوّل ، وما يوافق آية من كتاب الله تعالى ، أو قاعدة وأصلًا من أصول الدين والمعرفة ، أو يوافق مشروعًا موافقة تصحِّح المشابهة بينهما ( كما تراه في جمع الجوامع وغيره ، ومطوَّلات مصطلح الحديث ) .
إذا تقرّر هذا فحديث الجوربين مما تلقي بالقبول (1) ، وعضده عمل الصحب عليهم رضوان الله ، ووافق آية ( وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (المائدة: من الآية6) على قراءة الجر والنصب إذا رجعت إليه ، ويندرج تحت قاعدة رف الحرج ، ويوافق مسح الخف ، وجميع هذا مما يصحح المروي أيما تصحيح . وبالجملة فقد اجتمع في حديث الجوربين الصحتان معًا: صحته من حيث السند كما صرح به الترمذي وابن حبان وكما حققناه من درء الشذوذ المزعوم فيه ، وصحته من غير السند وهي الأمور التي سردت الآن ، ومتى صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة .
وأما قول الإمام النووي: إنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعًا بين الأدلة ، فمطلوب البيان من جهة الجورب ، فأين الدليلعلى اشتراط أن يمكن تتابع المشي عليه فيه ؟ ومعلوم أن الجوارب غير الخف ولكل حكمه ، وإذا أطلق الدليل في الأصول فلا ينصرف إلا إلى الكتاب والسنة وما رجع إليهما ، ولا تعارض إلا بين دليلين متكافئين ، وهناك يتلمس الجمع وإلا فإن المدار على الأقوى فالأقوى اتفاقًا ، وليس في الباب إلا إطلاق الجوربين وعموم التساخين في حديثهما .
(1) 2 قلت: قد عرفت مما سبق أن الحديث المتلقى بالقبول لا يكون صحيحًا إلا بشرطين . أحدهما أن يشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم . وهذا الحديث وإن كان إسناده صحيحًا عندنا فقد أنكره من عرفت من كلام المؤلف والشيخ أحمد شاكر . وحينئذٍ لا أرى أن يقال: إنه مما تلقي بالقبول . بل منهم من قبله ومنهم من ردَّه . والحق مع الأولين قطعًا . والحجة إسناده الثابت . نعم يعضده ويزيده قوة جريان عمل الصحابة عليه ، كما سيأتي .