وأما قوله: ( إنه ضعيف ضعفه الحفاظ ) ثم نقل تضعيفه عمن ذكره فجوابه ما قدمناه قبل - في الوجه الثالث -من درء الشبهة الثالثة من معارضة ذلك بتصحيح من صححه ، على أن سند تضعيفه هو دعوى شذوذه ، وقد أوضحنا أن الشذوذ ليس علة مضعفة على إطلاقها ، بل من كان عدلًا ضابطًا كان تفرده صحيحًا ، لا سيما وقد عضده ما روي بمعناه من حديث التساخين المتقدم وما قواه من عمل الصحب كما سيأتي ، ولذا صححه الإمام الترمذي ، ولا يخفى أن المضعفين له مهما كثروا فإن حجة تضعيفهم شذوذه وقد عرفتَ ما فيها ، فليس المقام مقام ترجيح بالكثرة والقلة بل المقام مقام استدلال واحتجاج وانطباق على القواعد المرعية ، وإلا فإن الكثرة ليست من الحجج والبراهين المعروفة ، ولذا قال الأصوليون (1) في بحث خبر الآحاد: إن عمل الأكثر بخلافه - أي بخلاف خبر الآحاد - لا يمنع وجوب العمل به لأن عمل الأكثر ليس بحجة ، وعللوه بأن الحجة هي الإجماع ، وعمل الأكثر ليس بإجماع لأن الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة ، بخلاف خبر الواحد فإنه حجة بنفسه . على أنَّا لو أردنا أن نكاثر من ضعفه لكاثرنا بأضعاف ما عنده ، فإن المسح على الجوربين أثر عن الصحابة منهم عمر بن الخطاب (2)
(1) 2 جمع الجوامع في بحث خبر الآحاد .
(2) 3 كانت في الأصلين ( من الصحابة عن عمر ) ولعل الصواب ما ذكرنا . ( ز )
4 تدريب صفحة 15 .
5 إعلم أن ( ال ) في قوله ( الناس ) للعهد ، لا للاستغراق فلا يدخل فيه غير أهل العلم بالحديث ، فكم من حديث تلقاه الفقهاء أو غيرهم بالقبول ، وهو منكر مردود عند علماء الحديث مثل حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله ، قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . الحديث فإنه منكر كما قال إمام الأئمة البخاري رحمه الله تعالى ، وهو مخرج عندي في ( سلسلة الأحاديث الضعيفة ) . ثم إنه لا يكفي القيد السابق وهو ( أهل الحديث ) ، بل لا بد أن يضم إليه قيد آخر ألا وهو اتفاقهم عليه ، كما يشير إليه ما نقله السيوطي في التدريب ( 1/67) عن الاسفرايني أنه قال: ( تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم ) .
6 قلت: مفهومه أنه لا بد أن يكون له إسناد ما ، ولكن لا يجوز أن يكون ضعيفًا جدًا كما يشير إليه كلام أبي الحسن بن الحصار الآتي في الكتاب فالحديث المتلقى بالقبول لايكون صحيحًا إلا إذا كان له إسناد صالح للاعتبار به . فهو الذي يتقوَّى بالتلقي . فاحفظ هذا فإنه مهم جدًا .