وحكي أن مثل هذه الشروط مردُّها إلى اجتهاد المجتهدين في تحري المأثور ، ولذلك تفاوتت مسنداتهم ومخرجاتهم بتفاوت شروطهم كما بسطناه في مقدمة كتاب ( حياة البخاري ) . وكل ما يبحث عن تصحيحه باعتبار السند وقواعد المصطلح فذاك من حيث رعاية صحته سندًا ، وأما من حيث تصحيحه باعتبار أمر أجنبي عنه - وهو المسمى بالصحيح لغيره - فذاك نوع آخر على ما سيأتي بيانه .
الشبهة الرابعة:
قول الإمام النووي في شرح المهذّب: واحتج أصحابنا (1) بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه فلم يجز كالخرقة . قال: والجواب عن حديث المغيرة من أوجه:
( أحدها ) أنه ضعيف ضعفه الحفَّاظ ، وقد ضعفه البيهقي ، ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحي بن معين ومسلم بن الحجاج وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث ، وإن كان الترمذي قال: ( حديث حسن صحيح ) ، فهؤلاء مقدمون عليه ، بل لو كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة .
( الثاني ) أنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعًا بين الأدلة ، وليس في اللفظ عموم يتعلق به .
( الثالث ) حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين ، لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة فكأنه قال: مسح على جوربيه المنعلين . أهـ .
و ( الجواب عن ذلك ) : أما قول الإمام النووي: ( واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه ) فهذا قد يراه المقلد حجة ، أما المحدِّث والأصولي فعنده الحجة الكتاب والسنة وما رجع إليهما من بقية الأدلة . وقانون المناظرة يقضي بأن يدفع القوي بالأقوى ، والحديث بمثله أو بآية ، ولا برأي أو قياس ، وإلا فيكون ذهابًا إلى ما رمى به أهل الرأي (2) وليس ثمة في الباب آية ترد هذا الحديث ولا حديث يرده ، لا بل ثمة ما يؤيده من الكتاب والسنة كما مرَّ ، وهذا هو الحجة المعروفة في الأصول .
(1) 2 في الرد على من أباح المسح على الجورب الرقيق ( المتقدم ذلك في عبارته )
(2) 1 يعني الحنفية الذين يروون بعض الأحاديث بآرائهم ، انتصارًا منهم لأقوال أئمتهم ، وتجد بعض الأمثلة على ذلك في كتابي ( أحكام الجنائز وبدعها ) في بحث الصلاة على الميت وغيره . ولا أبريء غيرهم من مثله كما تراه في تأول أصحاب النووي لهذا الحديث الصحيح ، وقد أحسن المصنف رحمه الله تعالى في الردِّ عليهم أثابه الله تعالى .