وقال الإمام النووي في بحث الشاذ: ( فإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمرًا لم يروه غيره فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا ، وإن لم يوثق بحفظه ولم يبعد عن درجة الضابط كان ما انفرد به حسنًا ، وإن بعُد كان شاذًّا منكرًا مردودًا ) أهـ . وبه يعلم أنَّ الشذوذ ليس علة قادحة في صحة المروي مطلقًا بل هي على هذا التفصيل ، وإن من كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا .
وممن اعترض جعل الشذوذ قادحًا في صحة الحديث الإمام ابن دقيق العيد فقد قال العراقي: وأما السلامة من الشذوذ والعلَّة فقال ابن دقيق العيد في ( الاقتراح ) : ( إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حدِّ الصحيح - قال - وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإن كثيرًا من العلل التي يعلِّل بها المحدِّثون لا تجري على أصول الفقهاء ) (1) .
وقال ابن الصلاح: ( وقد يختلفون في صحة الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه(2) أو لاختلافهم في اشتراط بعضها ) .
فأفاد أن اشتراط السلامة من الشذوذ ليس بمتفق عليه ، بل هو مختلف فيه ، ولذا حدَّ الإمام الخطابي الصحيح بأنه: ما اتصل سنده وعدلت نقلته . قال العراقي: ( فلم يشترط ضبط الراوي ، ولا السلامة من الشذوذ والعلة ) .
(1) 2 قلت: أهل مكة أدرى بشعابها ، فالاعتماد إنما هو على المحدثين لأنه علمهم الذي اختصوا به ، فهم أعرف به من غيرهم ، وكل علم يرجع فيه إلى ذوي الاختصاص والإتقان فيه ، والمحدِّثون اتفقوا على اشتراط السلامة من الشذوذ في الحديث الصحيح ، كما هو معروف من كتبهم ، والمتتبع الطرق في دوواين السنة يجد غير قليل من الأحاديث اختلف الرواة الثقات في ضبط متونها اختلافًا لا سبيل للأخذ بجميع وجوه الاختلاف فيها ، بل لا بد من ترجيح بعضها على بعض ، فالراجح هو المحفوظ ، والمرجوح هو الشاذ ، وهو من أنواع الحديث الضعيف ، وحديث المسح على الجوربين صحيح سالم من الشذوذ كما تقدَّم بيانه ، لذلك فلا مجال للأخذ بتشكيك من وهم ، ورمي الحديث بالشذوذ ، فهو حديث صحيح محفوظ اتفق المحدثون على سلامته .
(2) 1 هي العدالة ، والضبط ، والسلامة من الشذوذ والعلَّة .