الصفحة 16 من 52

و ( الجواب ) من وجوه: ( الأول ) أنَّ تضعيفه بما ذكر يعارضه تصحيح الترمذي له ، فقد قال بعد تخريجه له في سننه: هذا حديث حسن صحيح ، وهو قول غير واحد من أهل العلم . وتصحيح الترمذي مقدَّم على تضعيف غيره ، لأن الترمذي من الطبقة التي تأخرت عن تلك ووقفت على كل ما قيل فيه ورأت أن الحق في تصحيحه ، وكذا صححه ابن حبان (1) وهو ممن استقرأ وسبر أيضًا (2)

(1) 1 عن الجوهر النقي للمارديني صفحة 74 .

(2) 2 قلت: هذا الوجه من الجواب لا يستقيم إلا لو كان الترمذي وابن حبان من الأئمة المتثبتين في التصحيح مثل الإمام أحمد ومسلم وغيرهما ممن ضعفوا الحديث ، ففي هذه الحال تصح المعارضة ويسلم الجواب من الاعتراض لتأخر الترمذي عنهم ، ووقوفه على ما أعلوه به ، وأنه لايقدح . ولكن لما كان الترمذي ومثله ابن حبان معروفًا بالتساهل في التصحيح حتى قال الذهبي في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد نقل عن الترمذي أنه صحَّح حديثًا له مع أنه متهم عند الشافعي وغيره ، قال الذهبي: ( ولذلك لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي ) .

قلت: فإذا كان الحال ما ذكرنا فالجواب ضعيف ، ولكن الحديث صحيح الإسناد ، وما أعلُّوه به مردود كما بيَّنه المصنف في الجواب الثاني ، وأحسن منه بيان الشيخ أحمد المتقدِّم ص 5/10 فقد أجاد كل الإجادة في الردِّ على الذين أعلُّوه بالشذوذ والنكارة جزاه الله خيرًا . وخلاصة ذلك: أن هزيل بن شرحبيل الثقة الذي روى عن المغيرة المسح على الجوربين لا يجوز أن يقال إنه خالف الثقات الذين رووا عنه المسح على الخُفَّين ، إلا إذا كانت الحادثة واحدة ، فحينئذٍ يرد حديث هزيل بالمخالفة والشذوذلعدم إمكان الأخذ بالروايتين ، ففي حديث الجماعة عنه: أنه صلى الله عليه وسلم مسح في السفر ، وليس هذا في حديث هزيل ، فدلَّ ذلك على أنهما حادثتان مغايرتان وأن الجماعة روت ما لم يرو هزيل ، وهذا روى ما لم يرو الجماعة ، فليس من الشذوذ بسبيل ، ورحم الله الشافعي إذ قال: وليس الحديث الشاذ أن يروي الثقة ما لم يرو الثقات ، وإنما أن يروي ما يخالف فيه الثقات . انظر ( اختصار علوم الحديث ) للحافظ ابن كثير .

ومن الغريب أن الإمام مسلمًا الذي أعلَّ الحديث بالشذوذ والمخالفة هو نفسه لما أخرج حديث المسح على الخفين في السفر من طريق الجماعة عن المغيرة ، أخرجه أيضًا من طريق أخرى عنه فزاد فيه المسح على العمامة فعلى طريقته في إعلال حديث هزيل بمخالفته للثقات ، كان ينبغي أن يعلَّ حديث العمامة أيضًا ، بل هو بالإعلال عنده أولى لأنها زيادة في نفس حديث الجماعة ، أعني في السفر ، وليس ذلك عن حديث هزيل !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت