الجرحى، والفتك بالأ طفال والشيوخ والنساء، والاتجار بأعضائهم المبتورة، وحليهم ومتاعهم الغارق في دمائهم، هذا الميل لم يجد في كل الذى رويت لك طرفا منه ما يشبعه أو يرضيه، فأخذ الفرنسيون يتفننون في ابتكار وسائل أخرى لم يسمع بها تاريخ البشرية، على كثرة ما أمتلأ به هذا التاريخ من الفظائع والآثام. فهدتهم أخيرا غريزة التدمير والتخريب النامية عندهم إلى طريق أسموها هم أنفسهم"بجهنم"، وخلاصة هذه الطريقة: أن يسد الجنود الفرنسيون باب الكهف أو المغارة التى يلجأ إليها الجزائريون بنسائهم وأطفالهم ومواشيهم فرارا بأنفسهم من الموت والقتل والحرق، ثم يشعلوا في بابها نارا كبيرة، فيختنق القطيع"البشرى"داخل المغارة مع قطعان الماشية التى صاحبته إلى جوفها، فإذا انبلج نور الصبح، ذهب الفرنسيون ليروا آثار ما قدمت أيديهم. وإليك وصف ما رأوه في أحد تلك الكهوف:"في مدخل الكهف انتشرت هياكل ثيران وحمير وخراف حدت بها الغريزة صوب مخرج الكهف بحثا عن الهواء الذى عدم في الداخل، وتكدست بين هذه الحيوانات ومن تحتها جثث رجال ونساء وأطفال، وشوهد رجل ميت وهو جاث على ركبتيه وقد أمسكت يداه قرن ثور محترق، وبجواره امرأة تحتضن بين ذراعيها طفلها الميت، مما يدل على أن هذا الرجل قد اختنق وهو يدافع عن امرأته وطفله ـ اللذين اختنقا أيضا ـ شر هجوم الثور عليهما".
طبيعة قديمة جديدة: هذه الفظائع المروعة ليست في الصليبية الغربية سجية محدثة، إن القوم يسيرون على النهج الذى سلكه آباؤهم قبل، فالخلف والسلف على اختلاف الأمكنة والأزمنة، تحركهم طبائع واحدة، وتحدوهم غاية واحدة، أنهم مع خصومهم لا يعرفون للحرب أدبا، ولا للرحمة موقعا، إلا إذا تكافأت القوى، وخافوا الثأر العاجل، فهم عندئذ يعاملون العدو بحذر، اتقاء للعقوبة لا اتقاء لله، أما إذا أمنوا الثأر فلن يتوقع منهم إلا بطش الجبابرة. هل استخدام القنبلة الذرية يومئ إلى ذرة من الحس الإنسانى؟ ص_027