فلما دارت الأيام، وتحولت الريح، وجدنا هؤلاء بغتة ينضمون بأقلامهم إلى العهد الجديد، ويتحركون بقوة ليتصدروا صفوف الموجهين والمعلمين!!! من هؤلاء كتاب ولدوا في ساحة القصر"العامر"! ولم يعرفهم الناس إلا مترجمين عنه، ومشيدين بألائه، بل لم يعرفهم الناس إلا بلاء على الأحرار، ونقمة على المكافحين، ورجسا تنحل به عقد الإيمان وعزائم الفضيلة ... ومن هؤلاء رجال لهم ظاهر ثائر وباطن قذر. ظاهرهم أنهم مع الشعب ضد الملك، وباطنهم أنهم جواسيس وعملاء للقصر الملكى، وما ينصح به القصر الملكى من فساد واستبداد، ولعلنا لم ننس قصة الأمير التقدمى الذى قاد حركة العمال، وهو يقدم إلى سيده التقارير عنهم. وما كنا لنرغب في إحياء هذه الذكريات الميتة، وما كنا لنضن بجناح كاملى لفلول المنافقين السابقين، لولا أننا رأينا هؤلاء يريدون أن يعودوا إلى وظائفهم الأولى في ظلال ولائهم المدخول للعهد الجديد! وما وظائفهم الأولى؟ إشاعة الفحشاء في البلد. الترويج للإلحاديين الناشئة. وضع العوائق أمام قوى الإيمان والخير. تدويخ الوعى الإسلامى واصطناع اللغط حوله. وهم يدلفون إلى هذه الغايات الدنيئة تحت غطاء بارع من التصفيق للعهد القائم، وإظهار الغيرة على رجاله وعلى أهدافه! والله يعلم أن حرارتهم في تأييد الثورة هى نفسها حرارتهم في تأييد النظام البائد، وهى نفسها حرارتهم في تأييد أى نظام يملك السلطة ويبذل المال. يا للعجب. هذا رجل كان يجرى حتى يتصبب العرق من جبينه ليتعرف بخادم في مطابخ القصر الملكى! أصبح الآن يزعم أنه من رواد الحرية .. وهذا رجل آخر ما أحس بوجوده قط في استنكار الشناعات الأولى، أصبح الآن يزعم أنه فيلسوف في الإصلاح!! وهذا صاحب قلم طرده الملك فاروق كما يطرد الرجل كلبه، فذهب ينبح بعيدا ينتظر إشارة رضا ليعود متمسحا بقدميه، عاد اليوم يدمدم ويهمهم، متحدثا عما يجب أن يكون، وعما يجب أن يمحى من قوانين وتقاليد، بعد أن أسهم- على زعمه - في بناء الثورة، ورفع لوائها! ص_227