ولما نشأت مشكلات النهضة التى لابد منها في كل تطور- أى تطورات البنية الحية- كانت حلولها موافقة لسنة البقاء، ولم تكن موافقة لسنة الزوال ... وإحدى هذه المشكلات مشكلة الفصحى والعامية، فإن الحل الطبيعى لها أن تبقى الفصحى في ميدانها الذى لا غنى عنه، وأن تبقى العامية في ميدانها الذى يناسبها، فلا تزول الفصحى لأنها لازمة للدوام من عصرإلى عصر، وللتعميم بين قطر وقطر، وللموضوعات المهذبة التى تحتاج إلى تعبير منتظم على قواعده المعهودة ... أما اللهجات العامية فهى لا تدوم، ولا تتفق في جميع الأقطار، ولا تصلح للتعبير عن موضوعات العلم العالية والمعرفة المهذبة ... ولكنها تغني غناءها في المسائل المحلية، والمسائل الموقوتة وتصلح لأفلام الصور المتحركة، وما جرى مجراها من تعبيرات فنية تنقضى لحينها، ولا تتطلب"الاستمرار"الذى لا غنى عنه في لغات الثقافة، ومعاني الإنسانية الخالدة ... وهى لا تتوقف على إقليم واحد، ولا فترة واحدة، ولا مسألة تذكر بالأمس وتنس اليوم أو غدا إذا امتد بها الأجل. والاتجاه المطبوع في الأدب العربى يحسب- على هذا- حساب البقاء كما تحسبه كل بنية حية لها عمريتصل ولا ينقطع كل يوم لينبعث غدا مخالفا لما كان عليه. عندنا الشعر اليوم يتعدد ليبحث كل قسم منه عن موضوعه دون غيره: شعر الغناء، وشعر الوصف، وشعر التمثيل، وشعر الوجدان، وسائر أقسام الشعر في تطوره الحديث، وموضع النقص فيه أنه لا يزال ينمو ليوافق كل قسم منه غرضه وموضوعه وليس النقص فيه أنه جامد أو فاقد الحياة ... وعندنا القصة الاجتماعية، والقصة الفنية، والقصة الطويلة، والقصة الصغيرة ... وعندنا النقد في طور البحث عن المقياس المتفق عليه، ويوشك أن يتفق على هذا المقياس، وهو الاعتراف بالحسن الجيد في القديم والجديد على السواء، فليس التجديد الحق نبذا لكل قديم، أو أخذا بكل بدعة جديدة، وإنما هو الاستقلال بالرأى بين هذا وذاك. وعندنا الدراسات والبحوث مبتكرة ومستقلة في ميدان كان خلوا من كل عمل غير عمل الترجمة والاقتباس إلى أوائل القرن العشرين. عندنا- بالإيجاز- اتجاه طبيعى ينمو نمو البنية الحية من صميم كيانها ... ص_225