الصفحة 247 من 251

ولكنها تتغيرلتبقى، ولا تبقى لتمحو وجودها في هذا التغيير ... ولنضرب لذلك شجرة القطن مثلا، ونضرب لها ما شئنا من الأشجار مثلا بالقياس عليها. فإن شجرة القطن تتغير حسب المنبت، وعلى حسب الوسائل الزراعية، وعلى حسب العناية بتطبيق هذه الوسائل، ولكنها تبقى"قطنا"بعد هذا التغيير، ولا تزول منها هذه الصفة"الأصيلة"إلا إذا آذنت كلها بالزوال ... وعلى هذا المثل يقاس الاتجاه الطبيعى في كل بنية حية، ومنها آداب اللغات ... فهى تتغير- كلما تغيرت- لتبقى لا لتفنى، أو لتنعدم فيها الصفات التى يتحقق بهاكيانها .. وكل إنسان يبقى فيه شىء متشابه متقارب بين طفولته وصباه وشبابه وكهولته وشيخوخته، ولكنه إذا انفصل كل الانفصال بين عهدين فقد زال .. والاتجاه الذى يسمى اتجاها طبيعيا في الأدب العربى واضح من هذه الأمثلة .. فمن الواجب"أولا"أن يحافظ على كيان اللغة العربية، ومن الواجب مع ذلك أن تتصل الوشائج بينه وبين أصوله، ومن الواجب على الدوام أن يقبل التجدد وأن يكون بنية حية تتغذى بغذاء التربة التى ينمو فيها .. وهكذا اتجه الأدب العربى المطبوع في العصر الحديث، فإن العناية فيه قد انصرفت قبل كل شىء إلى تصحيح اللغة وإحياء تراثها، ومتى راجعنا كتابات الأدباء خلال القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين وجدنا الكثير منها قائما على تصحيح العبادات والألفاظ والقواعد وتقديم المأثورات المهجورة أو التعريف بها على حقائقها كما كانوا يدركونها بعد النهضة الحديثة. ولما شعر الأدباء بمحاسن الآداب الأجنبية أقبلوا على ترجمتها وتعريبها أو صبغها بالصبغة العربية، وبالغ بعضهم في ذلك فحاول أن ينقلها مسجوعة، وأن ينقل الأسماء الإفرنجية إلى الأسماء العربية، ثم تدرجت هذه المحاولة تدرجا- طبيعيا أيضا- حتى اهتدت إلى نهجها القويم .. وتقدمت النهضة فاستفادت من التقدم بعض الثقة أو بعض الأنفة، وعمدت إلى الابتكار والاستقلال بالرأى بعد الترجمة وبعد الاقتداء والتقليد، فلا تترجم إذا استطاعت أن تؤلف، ولا تلقى اعتمادها كلها على الترجمة في جميع الأحوال .. ص_224

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت