ثم إن هذه الصليبية كانت تعانى ما يسميه علماء النفس"عقدة الضعة"، فهى تعرف مجافاتها للعقل، وبعدها الساحق عن منطقه السليم، ومن ثم فهى تستعيض عن الهدوء في عرض نفسها، والجدال بالتى هى أحسن، تستعيض عن ذلك بغضب ظاهر على المذاهب والأديان الأخرى. كان عاطفة الحنق على المخالفين سوف تضفى عليها حقا فاتها من ضعف الدليل، وانهيار الحجة. وهذا يفسر سياسة البطش الشنيع التى اتبعتها الصليبية ضد غيرها، بل التى اتبعتها ضد الإسلام خاصة .. !!! وقد التقت الطبيعتان. طبيعة الغربيين الهمجية، وطبيعة الصليبية هذه، التقتا في الغزو الاستعمارى الأخير للأقطار الإسلامية .. ونحن نختار أحداث الجزائر مثلا ناطقا بصدق ما قلناه آنفا. كتب الأديبان الفرنسيان"كوليت وفرانسيس جانسون":"لعل العبث بالدين الإسلامى كان هو المجال المفضل لدى القائد"روفيجو"فقد وقف هذا القائد الفاجر، ونادى في قومه: إنه يلزمه أجمل مسجد في المدينة ليجعل منه معبدا لإله المسيحيين. وطلب إلى أعوانه إعداد ذلك في أقصر وقت ممكن. ثم أشار إلى جامع القشاوة لأنه كما قال ـ أجمل مساجد الجزائر طرا ـ وهو في وسط المدينة، وفي قلب الحى الأوروبى، وبالفعل تحدد ظهر يوم 18 من ديسمبر سنة 1832 لإنجاز هذا العمل، وتحقيق تلك الرغبة. ففى الميعاد المحدد تقدمت إحدى بطاريات الجيش، وأخذت أهبتها للعمل في ميدان السودان. وخرجت من بينها فرقة من سلاح المهندسين، فهاجمت أبواب المسجد بالبلط والفئوس، وإذا داخل المسجد (4000) أربعة آلاف مسلم، اعتصموا جميعا خلف المتاريس، فاندفعت نحوهم القوة العسكرية، ودحرتهم بالسناكى، فخروا بين صرعى وجرحى تحت أرجل الجنود، واستمرت هذه العملية طوال الليل! حتى إذا كان الصباح، كانت القرارات قد صدرت، وصار المسجد الجامع (كاتدرائية الجزائر) . وما أن انتهى الجنود من هذا العمل، حتى استداروا على أعقابهم صوب مسجد القصبة، الغنى بذكريات الإسلام، وأيامه"
المجيدة، فدخله القواد والضباط والجنود، وأقاموا فيه شعائرهم الدينية، حتى إذا انتهى القداس، شرع القساوسة في تمجيد"إله الجيوش"، وترتيل"نشيد الغفران").ص_020