قال أبو بكر المطوعي:
10 -روى عن محمد بن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، قالا: حدثنا عبد الله بن عباس في قوله عز وجل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} قالت: قريش يا محمد إنك تثني على عزير، ويعبده اليهود، وتثني على عيسى ويعبده النصارى، فإن كانا معنا في النار فلا نبالي، قال: فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} فقام أبو جهل خطيبا، قال: يا معشر قريش إن محمدًا قد طعن في دينكم وسب آلهتكم، وزعم أن من مضى من آبائكم يتهافتون إلى النار، ألا فمن قتل محمدًا فله علي مائة ناقة سوداء، ومائة ناقة حمراء، وألف أوقية من فضة فقام عمر بن الخطاب وهو (ق17ب) يومئذ على غير دين الإسلام، فقال: يَا أَبَا الْحَكَم آلضَّمَان صَحِيح؟ قَالَ: نَعَمْ عاجلًا غير آجل، قال: فأخذ عمر بيده (. . . . . . .) (1) فأشهد عليه هبل، وكان هبل أعظم الأصنام، فكانوا إذا أرادوا شيئا (. . . .) (2) أو حربًا أو سلمًا (. . .) (3) لم يفعلوه حتى يستأذنوا هبل؛ فأشهد عليه هبل، وتلك الأصنام، فخرج عمر متقلدا سيفه متقلدا كنانته يريد النبى صلى الله عليه وسلم ليقتله، فلقيه نعيم بن (. . . .) (4) معبد، فقال له نعيم: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدًا، قال: وما صنع محمد، قال: أقتله، قال: فكيف تأمن من بني هاشم، ومن بني عبد المطلب، إذا أنت قتلت محمدًا، وتظن أبا طالب يرضى منك بهذا، قال: فقال عمر: أني لأظنك أن قد صبأت مع محمد، ولو علمت ذلك لبدأت بك، قال: إني على دين آبائي يعني إبراهيم وإسماعيل، فانطلقا يمشيان حتى أتيا الأبطح، فإذا هم بعجل يريدون أن يذبحوه، وقد اجتمعوا حوله يقسموا لحمه فلما أوثقوه، وأضجعوه ليذبحوه، تكلم العجل بلسان ذلق طلق، فأنشأ يقول: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتفرقوا من عنده، ومضى عمر مرعوبًا حتى أتى الكعبة، وصناديد قريش في الحجر، فأخبرهم بما سمع فقال: أبو جهل، يا عجبي، لو أن غير عمر أخبرنا بذلك أو بهذا الحديث لما صدقناه، ثم انطلقوا إليه أن يكف عن هذا الخبر، فقال: لا والله، لا أكتم شيئا سمعته حقًا، ولا باطلًا فتمشوا إلى رؤساء بني عدي، فسألوهم أن يكف عمر بن الخطاب، عن هذا الخبر فكف، ثم انطلق يريد النبي صلى الله عليه وسلم فاستقتله ناس من خزاعة، قد وقع بينهم شحناء، وهم يريدون أن يحتكموا إلى صنم يقال له: رهم، ليحكم بينهم فلما نظروا إلى عمر قالوا له: هل لك أن تدخل معنا إليهم ليحكم بيننا، قال: نعم، فدخل معهم فلما وقفوا بين يديه وهم ينتظرون الفصل من عنده، إذا هم بهاتف من جوف الصنم وهو يقول:
يا أيها الناس ذو الأجسام ... ما أنتم وطائش الاحلام
ومسند الحكم إلى الاصنام ... فكلكم أراه كالهيام
أم ترون ما الذى أمامى ... من ساطع يجلو دجى الظلام (ق18أ)
قد لاح للناظر من تهام ... أكرمه الرحمن من إمام
قد جاء بعد الكفر بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام
والبر والصلات للارحام ... ويزجر الناس عن الآثام
قال: ففزعنا وتفرقنا من عنده، ولم يحضر عند ذلك الصنم أحد يومئذ إلا أسلم، ومضى عمر، وهو يقول: إن هذا الأمر قد نزل بنا، لأقتلن محمدًا من قبل أن يشتد هذا الأمر، فانطلق عمر يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه رجل من بني عدي بن كعب، فذكر له ذلك، فقال: ألا أخبرك بالعجب، إنك تريد أن تقتل محمدا، وأنا أتعجب منك، وإن ختنك وأختك قد صبئا مع محمد، وهما على دين محمد صلى الله عليه وسلم، قد تركا دينك، فقال: فكيف لي أعلم أن ما قلت حق، قال: إن العلامة فيما بينك وبينها، إنهما لا يأكلان من ذبيحتك، فأقبل عمر إلى منزل أخته فاطمة وقد كانت سورة طه أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يتعلمونها فوقف عمر بالباب ساعة، وهم يتعلمون، وقد سمع عمر قرائتهما ثم قرع الباب، فقاموا إلى الكتاب فأخفوه، ثم فتحوا الباب، فقال عمر: ما هذه الهُنيهة التي سمعت، قالا: كلام كنا نتكلم به فيما بيننا، فدعا عمر بشاة فذبحها، ثم شواها، ثم دعا أخته وزوجها ليأكلا، فقالا: إنا نذرنا ألا نأكل اللحم، فقال عمر: هذه العلامة التي أخبرني بها فلان، فقام عمر إلى أخته فضربها وشجها، فنادت أخته بأعلى صوتها يا عمر أتكره الناس على هواك، وإن كان غير الحق، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، آمنت بالله وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرت بالطاغوت. لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: فبقى عمر كئيبا، فلما جنهم الليل بات عمر في ناحية البيت، باتت أخته وزوجها في ناحية أخرى، فلما ذهب من الليل ما شاء الله، قامت أخته إلى زوجها، فقالت: يا هذا لقد غفلنا الليلة عن قراءة القرآن، قم بنا فقاما جميعًا، وأسبغا الوضوء، ثم جلسا يقرآن القرآن فلما قالا: {طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} إلى قوله: {وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} قال عمر في نفسه: إن إله محمد لعزيز {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} ثم قال: يا فاطمة، قالت: ما تشاء، قال: أنى لي بها {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} قالت: إي والله، يا عمر، قال: ويحك يا فاطمة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . .) (5) (ق18ب) حتى أنظر فيه، قالت: لا، أنت رجس نجس وهذا القرآن لا يمسه إلا المطهرون، قال عمر: ما عرفت ذل الشرك إلا يومئذ، قال عمر: وكنت أصنع (. . . .) (6) أغتسل غسلًا، (. . . . . .) (7) أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال عمر: فقمت واغتسلت، فقلت أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا فاطمة، ناوليني الكتاب حتى أنظر فيه قالت: أخاف أن تحرقه، قال: قلت: هو في ذمة ابن الخطاب حتى أرده عليك، فأقبل بالكتاب حتى وضعته في حجري، وأقبل زوجها يقرأ عليّ فلما قرأ: {طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} إلى قوله: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} قال عمر: إن هذا الرب ينبغي أن لا نعبد سواه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال: فبات عمر ساهر العينين ينادي في كل ساعة من الليل، واشوقاه إلى محمد فلما أصبح دخل عليه خباب بن الأرت، فقال: يا عمر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات الليلة ساهر العينين يناجي الله - عز وجل - وينادي في كل ساعة من الليل: اللهم أعز الإسلام بإسلام عمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، وأنا أرجوا أن يكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، فقال عمر: دلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هو في منزل عمه حمزة بن عبد المطلب، فخرج عمر فنظر لسيفه يريد النبي صلى الله عليه وسلم فاستقتله أناس من بني سليم، وقد وقع فيما بينهم شحناء بدون أن يحتكموا إلى صنم لهم يقال: له الضمار ليحكم بينهم فلما نظر إلى عمر والسيف على عاتقه، قالوا: يا عمر، هل لك أن تدخل على الضماد ليحكم بيننا، فدخل معهم، فلما وقف بين يديه قام قائلهم، فقال: إنا قد اجتمعنا فاحكم بيننا فإذا هو بهاتف من جوف الصنم وهو يقول:
تُرك الضِمَادُ وَكَانَ يُعْبَدُ مُدَّةً ... قبل الصلاة مع النبي محمد
سَيَقولُ مَن عبدَ الضّماد ومثله ... ليت الضّماد ومثله لم يعبد
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
سيرى أبو جهل المُصّفر وجهه ... عمن تدور الدائرات وتعتدى
صبرًا جميلًا يا ابن خطابٍ له ... يأتيك عن غير عز بني عدي
لا تعجبنّ إن كنت ناصر دينه ... حقًّا يقينا باللسان وباليد
فادخل عليه ياابن خطاب تفز ... يومًا به من حر نار توقد
فانشأ يقول:
ليظهر دين الله إن كنت مؤمنًا ... وتصدع بالسيف (. . . .) (8) بالمهند (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) (9) (ق19أ) قال: فعجب القوم وقالوا: قد (. . . . . . . . . .) (10) فقال عمر: إن من فوق السماوات العلى يعلم السر وأخفى، ثم خرج وقد (. . . . . . .) (11) حتى أتى منزل حمزة بن عبد المطلب فقرع الباب، فخرج إليه حمزة، والسيف على عاتقه، قال: تالله إنك لتطمع في محمد، ونحن جماعة من ولد عبد المطلب، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلام حمزة وهو يتكلم مع عمر خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فلما نظر إلى السيف على عاتقه، (. . . . . . . . .) (12) ثم قال: يا عمر، لتكفن عنا أو لينزلن الله بك ما لم ينزل في الوليد بن المغيرة، فارتعدت فرائص عمر، ثم اصطلت ركبتاه ووقع السيف من يده، ونكس رأسه حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فاعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دخلا منزل حمزة، فقال له عمر: يا نبي الله، كم نحن قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعون رجلًا، فقال: يا رسول الله، فداك أبي وأمي، آلات والعزى تعبد على رءوس الجبال، وبطون الأوديه على ظهر الطريق، ودين الله يعبد سرًا، والله لا يُعبد الله سرًا بعد يومنا هذا، فلما كان من الغد خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه، وحمزة بين يديه، وعلي بين يدي حمزة، وعمر بين يدي علي، بأيديهم أسيافهم، وبقية المسلمين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الكعبة، وصناديد قريش في الحجر، فلما نظروا إلى عمر قد أقبل والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه، فقاموا قيامًا على أقدامهم، ثم نادوا بأجمعهم، يا عمر لقد سُرت من فوق الأرض، ومن تحتها، ثم قالوا: قد جاءكم عمر بمحمد وأصحابه أسارى، فأنشأ يقول:
ما لي أراكم كلكم قيامًا ... الكهل والشبان والغلاما
قد بعث الله لنا إمامًا ... محمدًا قد شرع الإسلاما
قد أظهر الإيمان واستقاما ... اليوم حقًا يكسر الأصناما
يذب عنه الخال والأعماما.
قال: تعجب القوم، وقالوا: يا عجبًا مضى عمر إلى محمد ليقتله، وقد صبأ معه، إن هذا (. . .) (13) فلم يزل بنا فحملوا على عمر، وحمل عمر عيلهم، وحمل حمزة عليهم (. . . . . . . . . . . . . . . . . .) (14) فأخذ عمر بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم (ق19ب) حتى دخلا البيت، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم يدفع بقضيب في يده الأصنام وهو يقول: {جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا} ، فلما سمع عمر أنشأ يقول:
يا أيها الأصنام هذا أحمد ... هذا النبي (. . . . . .) (15)
هذا رسول الله حقًا فاشهدا ... يدعوا إلى الرحمن حقًا (. . .) (16)
إن كان حقًا للعباد فاسجدوا.
قال: فخرت الأصنام على وجوهها، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أبو بكر، وعمر، وعلي، وحمزة، وجعفر رضي الله عنهم.
حاشية
(1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) (8) (9) (10) (11) (12) (13) (14) (15) (16) غير واضح بالأصل.