قال أبو بكر المطوعي:
9 -قرأت على أبي القاسم أحمد بن محمد العثماني، حدثكم أبو بكر النقاش، قال: حدثت عن عبد العزيز الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عمر، عن أبيه، عن جده عمر بن عثمان قال: كان إسلام عثمان فيما حدثنا عن نفسه أنه قال: كنت رجلًا مستهترا قال: وكان عثمان وضيئا جميلا أبيض مشربا صفرة جعد الشعر حسن الثغر له جمة أسفل من أذنيه خدل الساقين طويل الذراعين أقنى، قال عثمان رضي الله عنه: إني ذات ليلة بفناء الكعبة قاعد في رهط من قريش إذ أتينا فقيل لنا: إن محمدا قد أنكح عتبة بن أبي لهب من رقية ابنته وكانت رقية ذات جمال رائع قال عثمان فدخلتني الحسرة ألا أكون أنا سبقت إلى ذلك قال: فلم ألبث أن انصرفت إلى منزلي فأصبت خالة لي قاعدة وأم عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب، وخالته التي أصابها عند أهله سعدى بنت كريز، قال: عثمان وكانت قد طرقت وتكهنت عند قومها فلما أتتني قالت:
أبشر وحييت ثلاثا تترى ... ثم ثلاثا وثلاثا أخرى
ثم بأخرى كي تتم عشرا ... أتاك خير ووقيت شرا
أنكحت والله حصانا زهرا ... وأنت بكر ولقيت بكر
وافيتها بنت عظيم قدرا ... بنيت أمرا قد أشاد ذكر
قال عثمان رضي الله عنه: فعجبت من قولها وقلت يا خالة ما تقولين، فقالت: عثمان، يا أخي عثمان،
لك الجمال ولك اللسان ... هذا نبي معه البرهان
أرسله بحقه الديان ... وجاءه التنزيل والفرقان
فاتبعه لا تغنا لك الأوثان قال قلت يا خالة إنك لتذكرين شيئا ما وقع ذكره ببلدنا فأبينيه لي فقالت: محمد بن عبد الله رسول من عند الله جاء بتنزيل الله يدعو به (ق16أ) إلى الله ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت به البطاح، ما نفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح ومدت الرماح قال ثم انصرفت ووقع كلامها في قلبي وجعلت أفكر فيه وكان لي مجلس عند أبي بكر رضي الله عنه، فأتيته فأصبته في مجلس ليس عنده أحد فجلست إليه فرآني مفكرا، فسألني عن أمري، وكان رجلا متأنيا، فاخبرته بما سمعت من خالتي فقال: ويحك يا عثمان إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل هذه الأوثان التي يعبدها قومنا أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، قال: قلت: بلى والله، إنها كذلك، قال: فقد والله صدقتك خالتك هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى خلقه فهل لك أن تأتيه فتسمع منه، قال: قلت: بلى فوالله، ما كان أسرع من أن مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يحمل ثوبا، فلما رآه أبو بكر - رضي الله عنه - قام إليه فساره في أذنه بشئ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد، ثم أقبل علي فقال: يا عثمان أجب الله إلى جنته، فإني رسول لله إليك وإلى خلقه، قال: فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت وشهدت: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقال في ذلك: أحسن زوج رقية وعثمان، قال عمارة بن زيد: وكان يقال:
أحسن زوج رآه إنسان ... رقية وزوجها عثمان
وفي إسلام عثمان تقول خالته سعدى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس:
هدى الله عثمانًا بقولي إلى الهدى ... وأرشده والله يهدي إلى الحق
فتابع بالرأي السديد محمدًا ... وكان برأي لا يصد عن الصدق
وأنكحه المبعوث بالحق بنته ... فكانا كبدر مازج الشمس في الأفق
فداؤك يا بن الهاشميين مهجتي ... وأنت أمين الله أرسلت في الخلق
ثم جاء الغد أبو بكر بعثمان بن مظعون وبأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثين رجلا، وألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال يا أبا بكر إنا قليل (ق16ب) فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر - رضي الله عنه - في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله - عز وجل - وإلى رسوله وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين يضربونهم في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر فضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويخرقهما لوجهه وأنفه، وترك على بطن أبي بكر حتى والله ما كان يعرف أنفه من وجهه، وجاءت بنو تيم تتعادى فانجلى المشركون عن أبي بكر وحملوا أبا بكر في ثوب، وأدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ورجعت بنو تيم فقالوا - وقد دخلوا المسجد: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، ثم رجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى كلمهم آخر النهار، فكان أول ما تكلم به أن قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنالوه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير بنت صخر انظري أن تطعميه، أو تسقيه، فلما خلت به وألحت جعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، قال: يا أمه اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن تحبي أن أمضي معك إلى ابنك فعلت؟ قالت: نعم، فمضيت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فلما رأته أم جميل دنت وأعلنت الصياح، وقالت: إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع قال فلا عين عليك منها، قالت: هو سالم صالح قال: فأين هو؟ قالت: في دار الأرقم بن أبي الأرقم، قالت: فقال أبو بكر: فإن لله - عز وجل - علي ألية لا أذوق طعاما ولا شرابا، أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمهلتا حتى إذا هدأت الأرجل وسكن الناس ثم خرجنا به يتكئ عليهما حتى أدخلناه على النبي صلى الله عليه وسلم وانكب عليه المسلمون، ورق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، فقال: أبو بكر بأبي أنت وأمي ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي هذه أمي برة بوالديها وأنت مبارك فادعها إلى الله وأدعو الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعاها إلى الله (ق17أ) عز وجل فأسلمت فأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار وهم تسعة وثلاثون رجلا، وكان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر - رضي الله عنه - فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، فقال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة واحدة سمعت بأعلا مكة وخرج أبو الأرقم، وهو شيخ أعمى كافر وهو، يقول: اللهم اغفر لبني عم الأرقم فإنه كفر، فقال عمر: يا رسول الله، على ما تخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل فقال: يا عمر إنا قليل، قد رأيت ما لقينا فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال له أبو جهل زعم فلان أنك صبوت فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فوثب المشركون إليه فوثب على عتبة بن ربيعة فبرك عليه، فجعل يضربه وأدخل إصبعه في عينه، فجعل عتبة يصيح؛ فتنحى الناس عنه فقام عمر فجعل لا يدنو إليه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه فضربه حتى أنحجز الناس، وتتبع المجالس التي كان فيها فأظهر الإيمان ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم فقال ما يجلسك بأبي أنت وأمي فوالله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم ومعه عمر - رضي الله عنه - ثم انصرف عمر وحده، فصلى، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.