11 -قرأت على أبي بكر العباس أحمد بن الحسن الحافظ، حدثكم أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: حدثنا أبو بكر بن عمير الرازي الحافظ، قا: حدثنا أبو زيد يحيى بن إيوب بن أبي عقال: هلال بن زيد بن الحسن بن أسمامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن أمر القيس بن عامر بن النعمان بن عبد ود بن عمران بن عبد عوف بن عروة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، قال: حدثني عمي زيد بن أبي عقال، عن أبيه، عن زيد بن الحسن، عن أبيه الحسن، عن أبيه أسامة بن زيد بن حارثة، أَنَّ حَارِثَةَ تَزَوَّجَ إِلَى طَيِّئٍ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي نَبْهَانَ، فَأَوْلَدَهَا جَبَلَةَ، وَأُسَامَةَ، وَزَيْدًا، وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُمْ، وَبَقُوا فِي حِجْرِ جَدِّهِمْ لأُمِّهِمْ، وَأَرَادَ حَارِثَةُ حَمْلَهُمْ، فَأَتَى جَدُّهُمْ لأُمِّهِمْ، فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا خَيْرٌ لَهُمْ، فَتَرَاضَوْا إِلَى أَنْ حَمَلَ جَبَلَةَ، وَأُسَامَةَ وَخَلَّفَ زَيْدًا، فَجَاءَتْ خَيْلٌ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَغَارَتْ عَلَى طَيِّئٍ، فَسَبَتْ زَيْدًا، فَصَارُوا بِهِ إِلَى سوق عُكَاظٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ: يَا خَدِيجَةُ، رَأَيْتُ فِي السُّوقِ غُلامًا مِنْ صِفَتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، يَصِفُ عَقْلا، وَأَدَبًا، وَجَمَالا، وَلَوْ أَنَّ لِي مَالا لاشْتَرَيْتُهُ فَأَمَرَتْ خَدِيجَةُ، وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَالِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا خَدِيجَةُ، هَبِي لِي هَذَا الْغُلامَ بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِكِ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَرَى غُلامًا وَضِيئًا، وَأُحِبُّ أَنْ أَتَبَنَّاهُ، وَأَخَافُ أَنْ تَبِيعَهُ، فَقَالَ: يَا مُوَفَّقَةُ، مَا أَرَدْتُ إِلا أَنْ أَتَبَنَّاهَ فَقَالَتْ: خذه يَا مُحَمَّدُ، فَرَبَّاهُ وَتَبَنَّاهُ، وكان يقال له: زيد بن محمد، فجاءَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ، فَرأى زَيْدٍ فَعَرَفَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ؟ فقَالَ: لا، أَنَا زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، إِنَّ أَبَاكَ، وَعُمُومَتَكَ، وَإِخْوَتَكَ كيت وكيت، قَدْ أَتْعَبُوا الأَبْدَانَ، وَأَنْفَقُوا الأَمْوَالَ فِي سَبْيِكِ، فَقَالَ:
أَلِكْنى إلى قَومي وإنْ كُنتُ نائيًا ... وإنِّي قطينُ البيتِ عندَ المشاعرِ (ق20أ)
فكفُّوا مِن الوَجدِ الذي قدْ شَجاكُمُ ... ولا تُعمِلوا في الأرضِ نصَّ الأَباعرِ
فإنِّي بحمدِ اللهِ في خيرِ أُسرةٍ ... خيارِ مَعَدٍّ كابِرًا بعدَ كابرٍ
(. . . . . . . . . . . . . . .) (1) بينهم القريع المفاخر
فَمَضَى الرَّجُلُ فَخَبَّرَ حَارِثَةَ، وَلِحَارِثَةَ فِيهِ أَشْعَارٌ بَعْضُهَا:
بكيتُ على زيدٍ ولم أدرِ ما فعلْ ... أحيٌّ يُرجى أَم أَتى دونَهُ الأَجلْ
وواللهِ لا أَدري وإنِّي لسائلٌ ... أَغالَكَ سهلُ الأرضِ أَم غالَكَ الجبلْ
ويا ليْت شِعري هل لكَ الدهرَ رجعةٌ ... فحَسْبي مِن الدُّنيا رجوعُك في بَجَلْ
فسأُعمِلُ خفض العِيش في الأرضِ جاهدًا ... ولا أَسأمُ التَّطوافَ أو تَسأمَ الإبلْ
وإنْ هَبَّت الأرواحُ هيَّجْنَ ذِكرَه ... أيا طولَ أَحزاني عليهِ ويا وَجَلْ
تُذكِّرنيه الشمسُ عندَ طُلوعِها ... وتَعرِضُ ذكراهُ إذا عَسعسَ الطَّفَلْ
حياتي أو تَأتي عليَّ مَنيَّتي ... وكلُّ امرئٍ فانٍ وإنْ غرَّهُ الأملْ
ثم إنَّ حارثةَ أقبلَ إلى مكةَ في إخوتِهِ وولدِهِ وبعضِ عشيرتِهِ، فإذا النبيَّ صلى الله عليه وسلم من فناءِ الكعبةِ في نفرٍ مِن أصحابِهِ وزيد فيهم، فلمَّا نَظروا إلى زيدٍ عَرَفوه وعرَفَهم، فَقالوا لَه: يا زيدُ، فلمْ يُجبْهم إنتظارًا مِنه لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ لَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَن هؤلاءِ يا زيدُ؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هذا أَبي وهذانِ عمَّايَ وهذا أَخي وهؤلاءِ عَشيرَتي، فقالَ لَه: قُم فسلِّمْ عليهِم يا زيدُ، فقامَ فسلَّمَ عليهم وسلَّموا عليهِ، وقَالوا: امضِ مَعَنا يا زيدُ، قالَ: ما أُريدُ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَدَلًا، ولا أوثر عليه أحدًا، فَقالوا لَه: يا محمدُ إنَّا مُعطوكَ بِهذا الغلامِ دِيَاتٍ فسمِّ ما شئتَ، فإنَّا حامِلُوها إليكَ، فقالَ: أسأَلُكم أَن تَشْهدوا أَن لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي خاتَمُ الأنبياء ورُسلِهِ، فأَبوا وتَلَكَّؤوا وتَلَجْلَجوا، فقالوا: تُعطى ما عَرَضْنا عليكَ يا محمدُ؟ قالَ: هاهنا خصلةٌ غيرُ هذِه، قدْ جعلتُ أمرَهُ إليهِ، إنْ شاءَ فليقُمْ وإنْ شاءَ فليرحلْ، قَالوا: يا محمد، ما بقي شيء قد قَضيتَ ما عليكَ يا محمدُ، وظنُّوا أنَّهم قد صَاروا مِن زيدٍ إلى حاجَتِهم، فقَالوا: يا زيدُ، قدْ أذنَ لكَ الآن محمدٌ فانطلقْ مَعَنا، قالَ: هَيهاتَ هَيهاتَ، ما أريدُ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَدلًا، ولا أوثرُ عليهِ والدًا ولا ولدًا، فداروه ولاموهُ واستعطَفُوه، وذَكَروا له وَجْدَ مَن وراءَهم، فأَبى وحلفَ أَن لا يصحَبَهم، فقالَ حارثةُ: أمَّا أَنا فإنِّي مؤنِسُكَ بنَفسي، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمَنَ حارثةُ، (ق20ب) وأمَّا الباقونَ فرَجَعوا إلى البريةِ، ثم إنَّ أخاهُ جبلةَ رجعَ فآمَنَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وأولُ لواءٍ عقدَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيدِهِ إلى الشامِ لزيدٍ، وأولُ شهيدٍ كانَ بمؤتةَ زيدٌ، والثاني جعفرٌ الطَّيارٌ، والثالث عبد الله بن رواحة، وآخِرُ لواءٍ عقدَهُ النبي صلى الله عليه وسلم بيدِهِ لأسامةَ بن زيد على أصحابه وهم اثني عشرَ ألفًا مِن الناسِ فيهم عمرُ، فقالَ: إلى أينَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: عليكَ بِيُبْنى فصبِّحْها صباحًا، وقطِّعْ وحرِّقْ وضعْ سيفَكَ، وخُذ بثأرِ أبيكَ، واعتَلَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقالَ: جهِّزوا جيشَ أُسامةَ بن زيد، فأَنفِذوا جيشَ أُسامةَ، فجُهزَ وخرج إلى الجُرفِ، واشتدتْ علةُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فبعَثَ إلى إليه يريده، فرجعَ فدخلَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقدْ أُغميَ عليهِ، ثم أفاقَ صلى الله عليه وسلم فنظرَ إلى أُسامةَ، فأقبلَ يرفعُ يديهِ إلى السماءِ ويُفرغُها على أسامة، فعَرَفنا أنَّه إنَّما يَدعو لَه.
ثم قُبضَ صلى الله عليه وسلم، فكانَ فيمَن غسلَهُ الفضلُ بنُ العباسِ وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأسامةُ بن زيد يصبُّ عليهِ الماءَ، فلمَّا دُفنَ صلى الله عليه وسلم، قالَ عمرُ لأبي بكرٍ: ما تَرى في لواءِ أسامةَ؟ قالَ: ما أُحلُّ لواءً عقدَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينحلُّ عن عسكرِهِ رجلٌ إلا أَنْ تكونَ أنتَ يا عمر، ولولا حاجَتي إلى مَشورَتِك لَما أحَلَلتُك مِن عسكرِهِ، يا أسامةُ عليكَ بالمياهِ - يَعنى البوادي - وكانَ يمرُّ بالبوادِي فيقال: هذا جيشُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيَثبُتوا على أَديانِهم، حتى صارَوا إلى عشيرتِهِ كلبٍ، فآمنت وكانتْ تحتَ لوائِهِ إلى أنْ قدمَ الشامَ، ثم قدم بعد ذلك على معاويةَ بن أبي سفيان، قالَ: اخترْ لكَ منزلًا، فاختارَ المروة، فاقتطَعَ بها هو وعشيرتُهُ، فسكن بها، وقدْ قالَ الشاعرُ في ذلك:
إذا ذُكرتْ أرضٌ لقومٍ بنعمةٍ ... فبلدةُ قَومي تَزدَهي وتَطيبُ
بِها الدِّينُ والإسلامُ والبذلُ والنَّدى ... فمَن يَنتجِعْها للرشادِ يصيبُ
ومَن يَنتجعْ أرضًا سِواها فإنَّه ... سيندمُ يومًا بعدَها ويَخيبُ
تبوأ منها أسامةُ منزلًا ... وكانَ لخيرِ العَالمينَ حَبيبُ
حبيبُ رسولِ اللهِ وابنُ رَديفِهِ ... له ألفةٌ معروفةٌ ونَصيبُ
فأسكنَها كلبًا فأضحتْ بمنزلٍ له ... الصفو منه والجنان نصيب
فنصفٌ على بيتي وشيحٍ ونزهةٍ ... ونصفٌ على بحرٍ أغرَّ رَطيبُ
ثم إنَّ أسامةَ رجع إلى وادي القرى فتوفِّي بِها، وخلَّفَ ابنةً لَه يُقالُ لَها فاطمةُ، فلم تزلْ مُقيمةً إلى أَن وليَ عمرُ بنُ عبدِالعزيزِ، فجاءَتْ فدخلتْ عليهِ، فقامَ مِن مجلسِهِ وأقعَدَها فيهِ، وقالَ لَها: حوائِجَكِ يا فاطمةُ، قالتْ: تَحمِلُني إلى أَخي، (ق21أ) فجهَّزَها وحَمَلَها.
واختلف العلماء (. . .) (2) أسامة فمنهم من قال: هو أول من (. . . . . . .) (3) خديجة رضي الله عنها.
حاشية
(1) (2) (3) غير واضح بالأصل.