ويمثل مسكويه [1] خطوة متقدمة في الكتابة الموضوعية، فإنه على الرغم من معاصرة السلاطين والوزراء البويهيين لا نجده يمدحهم أو يتملقهم في كتاباته. ولم يظهر ميلًا إلى تيار أو ملك أو اتجاه، بل حأول أن يرصد عصره ويحلل أحداثه بعقلانية، إلى درجة أنه لُقّب بالمعلم الثالث نظرًا لتمكنه من الفكر الفلسفي والإفادة منه في الكتابة التاريخية.
وعلى الرغم من أن حياته كلها قضاها في خدمة وزراء السلاطين البويهيين: المهلبي وزير معز الدولة وابن العميد وزير ركن الدولة، ثم في خدمة عضد الدولة نفسه وابنه بهاء الدولة مباشرة: وربما كنا نتوقع منه أن يكبح جماح نقده لأفعال هؤلاء السلاطين، وما دام شرف العائلة كان يرتكز على أعمال أوائلها، بالرغم من المعارك العنيفة التي نشبت في الجيل الثاني منها، ولكن ليس من أي أثر لمثل هذا التحيز في كتاب مسكويه (تجارب الأمم) .
والأشخاص الذين منحهم مدائحه التي ربما كانت تميل إلى المبالغة هم الوزيران المهلبي وابن العميد، اللذان كانا قد ماتا منذ زمن طويل حين أظهر كتابه، ورويت أخبار مؤسسي دولة البويهيين دون أية محاولة لاخفاء جرائمهم، ووصمهم باتهام فظيع في حالة معز الدولة.
(1) ابو علي احمد بن محمد بن يعقوب الملقب احيانا بالخازن. مؤرخ وطبيب وفيلسوف فارسي. توفي عام 1030م. ولد في الري، ودرس الفلسفة والطب والكيمياء القديمة. كان مجوسيا واسلم. خدم عضد الدولة، ورأس خزانة كتبه، وكان ايضا صاحب الحظوة عند الوزير المهلبي. ومسكويه من الفلاسفة الارسطيين الاخلاقيين الذين تبعوا ارسطو وحاولوا التوفيق بين فلسفته وتعاليم الإسلام. وقد رفع مسكويه من شأن الاخلاق، وقال ان الفلسفة لا تبدأ بالمنطق وانا بالاخلاق، وان سعادة الإنسان هي في ان يبلغ كماله الإنساني بسلوك الفضيلة.