ويُنتقد ابن إسحق لاعتماده على أهل الكتاب في الرواية، ولإيراده كثيرًا من الشعر الموضوع، ولأخطائه في الأنساب، ولأنه لا يمحّص مصادره، ولأنه ينقل من كتب الآخرين مباشرة (أي دون سماعها عن أصحابها) . ومع ذلك فإن ابن إسحق يبدى شكاّ ببعض رواياته ويستعين أحيانًا بالآيات القرآنية ليعزز رواياته. أما في الشعر فلم يكن متينًا، ويعترف بضعفه. أما في الإسناد فلم يكن دقيقًا كما يتطلّب أهل الحديث، ولكنه تقدّم بطريقة الإسناد الجمعي بكفاءة واستطاع أن يقدم قصة جذابة من رواياته وقد استفاد ابن إسحق من الوثائق والمواد المكتوبة والروايات والأخبار الشفوية [1] .
ويظهر أثر التيارات السياسية - الفكرية في التهمة الموجهة إلى ابن إسحق في أنه ذو ميول شيعية، وهي تهمة لا تخلو من أساس. ويوصف بأنه قدري ـ يؤمن بحرية الإرادة -وربما كان ضد الأمويين، ولكن هذا يتطلب الأدلة لإثباته.
وقد انتقدت سيرة ابن إسحق في المدينة، ولكنها لقيت عناية في المشرق، ويبدو أنها بأسلوبها ومادتها ناسبت الاتجاهات الثقافية هناك. وقد وصلت إلينا منقحة من قبل ابن هشام (ت 218 هـ / 813 م) ، الذي أخذها برواية البكائي وهي بنظر السخاوي أوثق من رواية يونس بن بكر الشيباني. وقد حاول ابن هشام في تهذيبه أن يحذف الأقسام الضعيفة في"المبتدأ"خاصة، وأن يطرح الشعر الموضوع، وأن يجعلها أقرب إلى وجهة نظر المحدثين. ويظهر أن المؤرخين عامة ينظرون إلى سيرة ابن إسحق - بعد أن نقحها ابن هشام خاصة - نظرة حسنة [2] .
(1) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 26.
(2) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 27.