ذهب ابن إسحق أبعد من حدود مدرسة المدينة، سواء أكان ذلك في نظرته التاريخية أم في أسلوبه. فقد جمع بين أساليب المحدّثين والقصاص في كتاباته، واستفاد من نواحي الاهتمام المختلفة بالمغازي وتواريخ الأنبياء، فجمع بين الأحاديث والروايات التاريخية والإسرائيليات والقصص الشعبي مع كثير من الشعر الصحيح والموضوع. ولذا فإن مصادر معلوماته تكوّن خليطًا يجلب الانتباه. ففي"المبتدأ"روى ابن إسحق عن"أهل الكتاب"، وعن الداخلين حديثًا في الإسلام، وأخذ كثيرًا عن وهب بن منبه، وعن العجم، وروى قصصًا عربية قديمة، وأقاصيص من أصل يماني. أما رواياته عن فترة الرسالة فترجع في جوهرها إلى أساتذته في المدينة، مع إضافات حصل عليها ببحوثه. وفي بعض الحالات لا تتعدى رواياته أن تكون شرحًا لآيات قرآنية، نقله عن غيره أو عمله هو. ولكن نلاحظ أن معلوماته عن الفترة المكية وردت في الغالب دون إسناد، وكثيرًا ما نجد كلمة"قصة"عنوانًا لأخباره، مما يشير إلى أثر القصص، ومع أن رواياته عن العصر المدني فيها طابع جدي أقوى وعناية أوضح بالإسناد، إلا أننا نجد مع هذا أثر القصص الشعبي كما نجد أثر التقوى في المبالغة. ويرد الشعر خلال أخباره أو في نهاية الكلام عن الحادث بشكل مجموع، وهذا يظهر بوضوح جمعه بين أسلوب القصّاص وأسلوب المحدّثين. وهذا الشعر، بنوعيه الموضوع والصحيح، يلقي ضوءًا على التيارات السياسية المعاصرة كالمنافسة بين الأنصار وقريش [1] .
(1) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 26.