الصفحة 37 من 113

ويُعتبر الزهري في الواقع مع آخرين من جيله، المؤسسين لعلم التاريخ عند العرب المسلمين [1] ، واشتهر الزهرى كمحدث وفقيه بالإضافة إلى كونه مؤرخا. ونجد ان الزهرى قد وضع إطارا واضحا للسيرة النبوية، وقد راعى بصورة عامة التسلسل التاريخي للحوادث، و ذكر بعض التواريخ مثل تاريخ الهجر ة و تواريخ بعض الغزوات. وهو يهتم إلى حد كبير بالإسناد، وأسلوبه يتصف بالصراحة والبساطة و التركيز، و قلما يلجأ للمبالغة، ويورد الزهرى أحيانا بعض الأشعار المتعلقة بالأخبارالتي ذكرها.

وقد روى عن الزهرى جماعة من العلماء الأئمة الأعلام، يأتى في مقدمتهم فقيه المدينة وعالمها الأشهر ـ الذى قيل عنه لا يفتى ومالك في المدينة ـ مالك بن أنس الأصبحى، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثورى، وقد ذاع صيت الزهرى، وأصبحت له مكانة علمية رفيعة في أوساط العلماء، فقد سئل مكحول الدمشقى، من أعلم من رأيت؟ فقال: ابن شهاب، قيل له ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل له ثم من؟ قال: ابن شهاب كان قد حفظ علم الفقهاء السبعة ـ يقصد فقهاء المدينة المشهورين ـ وكتب عمر بن عبدالعزيز وهو خليفة ـ إلى سائر الأقاليم: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه، فعمر بن عبدالعزيز ـ وهو من هو ـ لا يقول مثل ذلك الكلام عن ابن شهاب إلا إذا كان الرجل فعلًا يستحق هذا الثناء من الخليفة العالم، بما بلغ من مكانة علمية، والحق أن ابن شهاب كان موضع احترام وإجلال خلفاء بنى أمية، لأنه إلى جانب تبحره في العلوم، كان يحترم نفسه، ولم يداهن في الحق [2] .

(1) ابراهيم بيضون: مسائل المنهج في الكتابة التاريخية العربية. مجلة الفكر العربي، عدد58، اكتوبر 1989 م، ص 10.

(2) عبد الشافي محمد عبد اللطيف: أوائل المؤلفين في السيرة النبوية. المجلس الأعلى للشئون الاسلامية، القاهرة 2005 م، ص31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت