والواقع أن هذا المفهوم، وإن كان مقبولا من البعض على أساس أن كل علم يظهر نتيجة للتجربة، فالطب ظهر من المعالجة، والتاريخ من تجارب الإنسانية، بحيث يجعل من يقرأه يدرك أشياء كثيرة من الحوادث والتغييرات في الأزمنة في وقت قصير، آلا أن هذا المفهوم غير مقبول، بسبب أن التجربة الإنسانية واسعة، وأن التاريخ سوف يرتبط حينئذ بكل التجارب الإنسانية، التي لا تظهر قيمة المؤرخ، إلا من حيث أنه جامع لتجربة الغير، وقد نقرأ آلاف المعارك ولا نزداد فنا في الحرب، ونقرأ ما حدث للأقوام ولا نتعظ، ونقرأ نصوص المعاهدات ولا نزداد حكمة، ومع ذلك، فانه ينبغي وضع دروس الماضي في خدمة المجتمع الحديث للإقتداء بها، وإن كان لا يقصد طبعا التجربة في ذاتها، المتخلصة من الشوائب، التي تعتبر تجربة مثالية، وأنما يقصد بها ما مر بالإنسان من تجربة لتعرض كما هي، مملؤة بالخير والشر فمن خلال هذا الاستعراض لمفهوم التاريخ في بعض الكتب المؤرخين المسلمين، تبدو أقوالهم عنه غير محددة أو واضحة بل وأحيانا ساذجة، وهى آراء تتردد كثير بهذا المحتوى المقتضب في كتب مؤرخى الإسلام القدامى.
بداية التدوين التاريخي عند المسلمين
لا خلاف بين الباحثين في أن أول من كتب في التاريخ لا يخرج عن أحد أربعة يتنازعون الأولوية في هذا المجال وهم: زياد بن أبيه المتوفى سنة 53 هـ (673 م) ودغفل النسابة البكرى المتوفى سنة 60 هـ (680م) وعبدالله بن عباس المتوفى سنة 68 هـ (687م) وعبيد بن شرية الجرهمى المتوفى سنة 70هـ (689 م) [1] .
(1) محمد محمد مرسي الشيخ: نشأة الكتابة التاريخية عند المسلمين. د. ت، ص 18.