أما الحديث فالصلة بينه وبين نشأة علم التاريخ عند العرب صلة وثيقة، فقد ظل الحديث منذ بداية الأمر محفوظًا، بالذاكرة يروى رواية شفهية، إلى أن دون تدوينا منظمًا واكتملت مجموعاته الكبرى في القرن الثالث الهجرى على وجه الخصوص، أما كيف كان عاملًا من عوامل نشأة علم التاريخ تدوينه، فإن المسلمين حين شرعوا في تفسير الآيات القرآنية استعصى عليهم فهم بعض الأحكام والشرائع، فعمدوا إلى أقوال النبى المأثورة وأحاديثه المتداولة للإستعانة بها في تفسير ما غمض عليهم، ولما كانت الإحاديث النبوية تروى إذ ذاك رواية شفهية سواء بواسطة من سمعها من النبى مباشرة أو من أخذها من رواة غيره، فقد دخلها شئ من التناقض والاختلاف، فاضطر المحدثون إلى تمحيصها وتنقيتها من شوائب الزيف التى علقت بها، وفصل الصالح منها عن المدسوس عليها، فدفعهم ذلك إلى تناول الأحداث والظروف التى قيلت فيها ومناسباتها ومعالجة الأخبار التاريخية المتعلقة بها، وكتابة الصالح من هذه الأحاديث في النهاية بسنده المسلسل، أى الذى يبدأ بآخر راو للحديث ويتدرج إلى الشخص الذى صدر عنه الحديث، وهكذا بدأت المادة التاريخية تعالج من خلال حركة جمع الأحاديث وتدوينها وتمحيصها، وكانت الأحاديث الخاصة بالمغازى والأحاديث التى تتعلق بحياة الصحابة والجماعة الإسلامية هى أساس كتب السيرة والمغازى التى وضعت بعدئذ والتى تمثل بداية التأليف في التاريخ عند العرب، ومن هنا جاءت الصلة الوثيقة بين الحديث والتاريخ، وترك الحديث أثرة البارز في طريقة العرض التاريخى نفسه تمثل ذلك في الإسناد، الذى ظل طابع الرواية التاريخية فترة طويلة من الزمن، إلى أن تخلص التأريخ منه واتخذ له طريقة خاصة وعرضا مستقلًا [1] .
(1) محمد محمد مرسي الشيخ: نشأة الكتابة التاريخية عند المسلمين. د. ت، ص 16.