ورغم تحيز معظم القصاص إلى تاريخ اليمن ومبالغتهم فيه فإن المؤرخين الذين ظهروا في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي نقلوا منهم فيما يتعلق بتاريخ العرب قبل الاسلام. وقد دخل من خلال كعب الأحبار ووهب بن منبه الكثير من الأخبار الإشارات التي تتعلق بالعرب قبل الإسلام وأخبار الأنبياء السابقين مما عرف بإسم"الاسرائيليات" [1] .
وفي شمال الجزيرة، فقد كان لدى المناذرة"كتب"تحوي أخبار عرب الحيرة وأنسابهم وسير أمرائهم، وكانت هذه محفوظة في كنائس الحيرة. كما أنهم كانوا يعرفون الكثير من الأخبار الفارسية، [2] والمناذرة كانت لديهم كتب تتناول بالتفصيل أخبار عرب الحيرة وأنسابهم وسير ملوكهم وهى الكتب التى كانت محفوظة في بيع الحيرة والتى أفاد منها هشام بن محمد بن السائب الكلبى في كتابه عن الحيرة، والتى استقى منها ابن هشام والطبرى وغيرهما أجزاء كثيرة من مادتهم التاريخية [3] .
وكانت لدى عرب الشمال روايات شفوية من قصص عن آلهتهم وروايات عن شؤونهم الاجتماعية ومآثرهم. ويدور جلُ تلك الروايات حول غزواتهم ومعاركهم (الأيام) وحول أنسابهم، وهي تتّصل بالتنظيم الاجتماعى وبالآراء والمثل الاجتماعية، وفي طليعتها المروءة، أو مجموعة الفضائل البدوية، وفكرة النسب، أو شرف الأصل، وفكرة الحسب، أو نبل الأعمال والمآثر. إذ يلزم الأفراد أن يعرفوا آباءهم والمآثر التي قاموا بها. كما أن"الأيام"تجد عناية خاصة في المجتمع القبلي [4] .
(1) فاروق عمر فوزي: التدوين التاريخي عند المسلمين. مركز زايد للتراث والتاريخ، ط1، 2004 م، ص39.
(2) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 14.
(3) محمد محمد مرسي الشيخ: نشأة الكتابة التاريخية عند المسلمين. د. ت، ص 7.
(4) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 14.