وليت شعرى أين كان هذا الخسيس المائق إذ اعترض بهذا الاعتراض على هذه الأنوار الساطعة والحقائق الظاهرة عن التفكير فيما يقرأونه في هذيانهم المخترع وزورهم المفتعل الذى يسمونه ( التوراة ) إذ يقولون: إن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام ، واستراح في اليوم السابع ؟ وهل تكون الراحة إلا لتعب ونصب قد خارت قواه وضعفت طبيعته ؟!
فمثل هذا وشبهه من دينه الخسيس الذى يستسر به لو تهمم بالفكرة فيه ثم بادر على التوبة منه والدخول في دين الله تعالى الذى لا دين له سواه ، الذى به بدا الملك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .
الفصل الرابع
ثم ذكر الخسيس الجاهل قول الله تعالى ( هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) [المرسلات 35] ثم قال في آية أخرى ( يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها ) [النحل 11] . قال: وهذا تناقض عظيم .
قال أبو محمد: قد قال بعض العلماء المتقدمين: إن المنع من النطق المذكور في الآية إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة ، وإن الجدال المذكور في الآية الأخرى هى موقف آخر مما يتلو ذلك اليوم نفسه .
وهذا قول صحيح ، يبينه قول الله تعالى قبل الآية المذكورة ، إذ يقول عز وجل: ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب . لا ظليل ولا يغنى من اللهب . إنها ترمى بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين . هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) [29 ـ 36] فيه بعذر.
هكذا نص الآيات متتابعات ، لا فصل بينها ، فيصح أن اليوم الذى لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار ، وهو أول اليوم التالى ليوم القيامة الذى هو يوم الحساب ، وهو أيضًا يوم جدال كل نفس عن نفسها ، وهذا بيان لا إشكال فيه أصلًا .