وها هنا وجه آخر ، وهو اتباع ظاهر الآيتين دون تكلف تأويل ، إلا أن يأتى بالتأويل نص آخر أو إجماع من جميع الأمة كلها ما بين الأشبونة والقندهار والشحر وأرمينية والمولتان ، فنقول وبالله نستعين:
إن هاتين الآيتين بينتان لا اختلاف بينهما أصلًا ، وإن النطق المنفى نهم في الآية الأولى والمعذرة التى لم يؤذن لهم فيها إنما ذلك فيما عصوا فيه خالقهم تعالى ، كما قال عز وجل في آية أخرى: ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) [يس 35] فلا عذر لكافر ولا لعاص أصلًا ، ولا كلام لهم . وأما الجدال الذى ذكر الله تعالى حينئذ عن نفسها ، فإنما هو في طلب الناس مظالمهم بعضهم من بعض ، فإن الله تعالى لا يضيع شيئًا من ذلك ، على ما صح عن النبى صلى الله عليه وسلم من أن يوم القيامة يقص الشاة الجماء من الشاة القرناء .
وبيان هذا الذى قلنا أن المعذرة إنما هى إلى الله تعالى ، ولا عذر يوم القيامة لمن كفر بالله تعالى أو بنبى من أنبيائه وخالف الإسلام ، وهذا هو الذى يكون يوم القيامة ، ولا يعذر عليه أحد ، وإنما هو مصدر جادل يجادل جدالًا ، وجادل هو فعل من فاعلين لا ينكر أحد هذا من أهل اللغة ، فالله تعالى لا يجادل ، وإنما يجادل الناس بعضهم بعضًا ، فكل أحد حينئذ يجادل من ظلمه ليقتص منه ، وهذا ما لا يعرى منه مؤمن ولا كافر ، فاستبان معنى الآيتين بظاهرهما دون تكلف تأويل ، وبطل ما ظنه هذا الجاهل ، والحمد لله رب العالمين .
قال أبو محمد: ليس في حماقاتهم المبدلة التى يسمونها ( التوراة ) ذكر أجر ولا ثواب لمحسن بعد الموت ، ولا عقاب لمسىء في الدنيا أصلًا ، ولا في الكتب التى ينسبونها إلى أنبيائهم من هذا قليل ولا كثير .
فلو نظر هذا المجنون فيما ينسبونه إلى سليمان ـ عليه السلام ـ في تصويبه دعاء امرأة دعت له فقالت: ولا زالت أرواح أعدائك يدور بها الفلك .