لأن المعانى المختلفة المرتبطة بكل تعبير تلزم كلا من أرسطو وابن رشد بأن يضع شروحا مطولة مجهدة لتوضيح ارتباطهما. وفى كل موضع من هذا الفصل يثابر ابن رشد بجلد لتفصيل كل خطوة من خطوات شرحه فيبتعد بذلك عن نص أرسطو إلى درجة الشروع في مناقشات لم يتعرض لها أرسطو قط.
فعلى سبيل المثال في الفقرة الأولى من الفصل الرابع يذكر ابن رشد أن هناك نوعين من ألفاظ الجهات يدل الأول منهما على الضرورى وما يتبعه على جهة اللزوم ويعد معه ويدل الثاني على الممكن وما يتبعه على جهة اللزوم ويعد معه. ثم ليؤكد على وضوح تقسيمه هذا بأن القضايا ذوات الجهات صارت جهتين يبين أن هذا التقسيم مطابق للموجود وأن الموجود قسمان إما بالقوة وهو ما يعبر عنه ابن رشد بالممكن وإما بالفعل وهو ما يعبر عنه ابن رشد بالضرورى. وهذا التقسيم من ابن رشد وليس له ما يناظره في نص أرسطو. وفى الجانب الآخر نجد ابن رشد قد حذف مناقشة أرسطو للقضايا ذوات الجهات المحتملة، رغم أنه يشير بصورة عابرة إلى المحتمل بأنه يتبع الممكن كما أنه يشير إلى أن الممتنع غير موجود بالضرورة.
وقد أغفل كل ذكر للقضايا ذوات الجهات المحتملة في سائر مناقشته وقصر حديثه على القضايا المتعلقة بالضرورى والممتنع والممكن. وابن رشد في هذه الفقرة الأولى أيضا أدق من أرسطو في تبيين ترتيب المناقشة التالية. فهو منذ البداية يؤكد على أن شرحه سيرتكز على فحص متقابلات ومتلازمات القضايا ذوات الجهات وذلك في القضايا ذوات الجهات المعدولة وفى القضايا ذوات الجهات البسيطة.
فبينما يبين أرسطو متقابلات القضايا ذوات الجهات في الفصل الثاني عشر ومتلازماتها في الفصل الثالث عشر بصورة منفصلة نراه لا يشير إلى ما يدل على الارتباط الوثيق بين المطلوبين.
وبيان ابن رشد في ائتلاف متقابلات القضايا ذوات الجهات يناظر بيان أرسطو لها. وهذا الموضوع يحتاج إلى أن يعالج بإسهاب بسبب الشك الحقيقى في موضع حرف السلب في مثل هذه القضايا. فمثلا عند صياغة مقابل القضية الموجبة البسيطة ذات الجهة أى عند صياغة قضية سالبة بسيطة ذات جهة هل ينبغى أن يوضع حرف السلب مع اللفظة الوجودية أى الكلمة الرابطة أو مع المحمول أو في مكان آخر؟ وبعبارة أخرى ما هو مقابل القضية «يمكن أن يوجد الإنسان عادلا» ؟ فإذا وضعنا حرف السلب مع الكلمة الوجودية وقلنا «يمكن أن لا يوجد الإنسان عادلا» لا نكون قد أتينا بالمقابل بل إن هذه القضية ليست إلا بيانا أوفى لمعنى ما هو ممكن. فإذا كان ممكنا أن يوجد الشىء فإنه ممكن أن لا يوجد وإلا فوجوده ضرورى بدلا من أن يكون ممكنا.