ورغم ذلك فإن استيعاب ابن رشد غير العادى جعل عرضه ناجحا في تقديم نص أرسطو في صورة أوضح وأكثر ترتيبا. فبينما يبدأ أرسطو بوصف الحكم الإيجابى ثم ينتقل إلى تعديد كل الأنواع الأخرى الممكنة من الأحكام دون أى ترتيب أو هدف واضح فإنا نرى ابن رشد يسير وفق مخطط ثابت جدا. ففى البداية يعتمد ابن رشد على ما أقره أرسطو من أن الفعل «يوجد» في التعبير «الإنسان يوجد عادلا» هو حد ثالث في القول، ويتابع ابن رشد المفسرين ويميز بين القضايا الثنائية والقضايا الثلاثية. فالقضايا الثنائية هى التي المحمول
فيها فعل، أو بتعبير مختلف هى التي محمولها غير مرتبط بالموضوع بواسطة الفعل.
أما القضايا الثلاثية فهى التي محمولها وموضوعها يكونان اسمين مع الرابطة التي تربط المحمول بالموضوع. وبعد هذا التمييز يتأمل ابن رشد الأصناف المختلفة من القضايا الثنائية والثلاثية التي يمكن ائتلافها إذا تركب الإيجاب والسلب مع الأصناف الستة المختلفة من المتقابلات وكذلك عند ما تركب مع الأزمنة الثلاثة المختلفة للفعل وأيضا حالات وجودها ممكنة أو ضرورية أو ممتنعة ومثل هذا الفهم يؤدى إلى اكتشاف أن القضايا المؤتلفة من القضايا الثنائية هى مائتا قضية وست عشرة قضية، وأن ضعف هذا العدد ينتج من القضايا الثلاثية [15] . ولا يحدثنا ابن رشد عن المعنى المقصود بهذا التحديد ولا يوجد أى معنى يظهر لأول وهلة لهذا التحديد لعدد القضايا اللهم إلا إذا كان الغرض منه أن يكتسب القارئ الذي يزعجه البحث عن كل إمكانات أنواع القضايا فكرة جيدة عن كيفية ائتلاف القضايا.
والسبب في أن عدد القضايا الثلاثية ضعف القضايا الثنائية هو أن القضايا الثلاثية تسمح بوجود المحمول غير المحصل ولذلك فإنه بينما لا يمكن ائتلاف الأقاويل التي بشكل «الإنسان لا يوجد، لا إنسان لا يوجد» لا في القضايا الثنائية ولا في القضايا الثلاثية فإنه يمكن أن تأتلف أقاويل مثل «الإنسان يوجد لا عادلا، لا إنسان يوجد لا عادلا» في القضايا الثلاثية. فهذه القضايا وسالباتها تسمى قضايا معدولة وهى تتميز عن القضايا البسيطة التي من ضرب «الإنسان يوجد عادلا، لا إنسان يوجد عادلا» وسالباتها [16] . وبعد هذا التمييز يعود ابن رشد إلى شرح
(15) انظر الفقرتين 40و 41بالمقارنة مع كتاب العبارة لأرسطو 19519، 192223.
(16) انظر الفقرتين 40و 41بالمقارنة مع الفقرتين 42، 48.