وهذا القول المأخوذ من الخبرة العملية لا يفعل أكثر من تأكيد اعتقادنا بفعالية الإرادة البشرية. فهو لا يبرهن على أن الأشياء توجد في الحقيقة تبعا للاتفاق، وإنما نرى أن العقل المطلق يؤدى بلا شك إلى نتائج في الأشياء المستقبلة لها عواقب عملية غير مقبولة، ولذلك يجب أن نعدل نتائج العقل المطلق. وفى هذا الموضع يعطى أرسطو مثال الثوب فهو قد يتمزق قبل أن يسبق إليه البلى. ويأخذ ابن رشد نفس المثال ويتابع أرسطو في شرح أنه قبل الواقعة لا يمكننا أن نعرف أيهما سيحدث أولا البلى أم التمزق. ومع أنه واضح أن شيئا ما سيحدث للثوب إلا أننا لا نعرف ما هو، وهذا الشىء لا يعتمد على إرادة بشرية. كما أنه ليس بحال من الأحوال أمرا يخضع للفكرة. وبتعبير آخر هناك أمور اتفاقية تقع خارج حدود الإرادة الإنسانية.
والنتيجة المنطقية المباشرة لهذا القول هى إدراك أرسطو وابن رشد لضرورة التمييز بعناية بين الممكن والضرورى. ويصبح ابن رشد أكثر حرصا على الدقة وأكثر تطويلا في القول من أرسطو، فنراه يجتهد في شرح الأصناف الثلاثة المختلفة للممكن والصنفين المختلفين للضرورى، ويشرح أيضا كل ضروب الصنفين المختلفين. ويبدو أن قلم ابن رشد قد جرى طويلا هنا لاهتمامه بالعلاقة بين هذه الأمور الاتفاقية ومسألة النبوة، فإنه يؤكد أثناء شرحه أن ما يقال يجب أن يكون مطابقا لما هو عليه وجود الأشياء في العالم خارج النفس، ثم يواصل حديثه ليبين لنا أنه لا محل هنا للتكهن بحوادث المستقبل. فالأشياء الممكنة على الأكثر هى التي يمكننا أن نعلم بحدوثها قبل أن تحدث فعلا. وهذه الأفكار تقود إلى سؤال آخر لا يمكن أن يكون ابن رشد لم يلاحظه رغم سكوته عنه وهو علم الله بالجزئيات. فإذا كانت الأشياء لا توجد بالضرورة، وإذا كانت قد توجد بجهة أو بأخرى تبعا لعوامل أخرى لا يمكن تحديدها مقدما، فهى ليست إذن بالقضاء والقدر، وبتعبير آخر فإن علم الله بالجزئيات ليس يقضى من قبل لا على تكونها ولا على فسادها. ويبدو أن مثل هذه الأشياء تدخل في الصنف الثاني من الضرورى كما حدده ابن رشد، وهى الأشياء التي يكون وجودها أو عدم وجودها ضروريا في الوقت الذي فيه هى موجودة أو غير موجودة. ولكن شرحه لهذا الصنف من الضرورى مجرد حتى ليصعب رؤية كيف يطبق على الجزئيات، ويبدو أن ابن رشد كان يريد تجنب التحديد فيبقى في شرحه عند مستوى الكليات الإنسان والعقل. ولذلك فإن اسطقسات المناقشة تقترب من حواف المسائل الفلسفية دون أن تتعداها. ولعل هذا هو الصواب، لأن الغرض الرئيسى للمناقشة
هو شرح اسطقسات الكلام المنطقى. وتطبيق الكلام المنطقى على مثل هذه المسائل المهمة هو في الحقيقة موضع فحص آخر.
والآن بعد أن عدد ابن رشد الأصناف الستة من القضايا المتقابلة وبين جهات إيجابها أو سلبها بحسب الصدق والكذب، فقد كان من اللائق فحص هذه القضايا بما هى قضايا وتحديد ملازمة بعضها البعض الآخر. وهذا هو موضوع الفصل الثالث لتلخيص ابن رشد وهو ما يناظر الفصلين العاشر والحادى عشر عند أرسطو، إلا أن هذا التناظر يبدو غير مترابط. فمع أن ابن رشد في فصله الثالث الذي يقابل الفصلين المشار إليهما عند أرسطو قد عرض الموضوعات التي فحصت عند أرسطو إلا أنه يخضعها للإمكانات المتاحة في اللغة العربية دون أن يوضح لنا أنه خرج في ذلك عن طريقة أرسطو. وأيضا فإن اعتماد ابن رشد على المفسرين المتأخرين طوال هذا القسم من التلخيص وهو اعتماد لم يصرح به يجعل التناظر أقل ترابطا.
ورغم ذلك فإن استيعاب ابن رشد غير العادى جعل عرضه ناجحا في تقديم نص أرسطو في صورة أوضح وأكثر ترتيبا. فبينما يبدأ أرسطو بوصف الحكم الإيجابى ثم ينتقل إلى تعديد كل الأنواع الأخرى الممكنة من الأحكام دون أى ترتيب أو هدف واضح فإنا نرى ابن رشد يسير وفق مخطط ثابت جدا. ففى البداية يعتمد ابن رشد على ما أقره أرسطو من أن الفعل «يوجد» في التعبير «الإنسان يوجد عادلا» هو حد ثالث في القول، ويتابع ابن رشد المفسرين ويميز بين القضايا الثنائية والقضايا الثلاثية. فالقضايا الثنائية هى التي المحمول
فيها فعل، أو بتعبير مختلف هى التي محمولها غير مرتبط بالموضوع بواسطة الفعل.