فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 451

غير ممكن فإنه لا يبقى لاستحالة تكليف المستحيل وجه، وهو جائز عقلا وكذا شرعا، يدل عليه أن الله عز وجل أمر (أبا لهب) بأن يصدّق النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به في كل ما أخبر به، ومما أخبر به كذلك أنه لا يؤمن به. أليس هذا جمعا بين نقيضين؟ ومن ثم ألم يرد في القرآن الكريم الاستعاذة من تكليف ما لا طاقة لنا به {رَبَّنََا وَلََا تُحَمِّلْنََا مََا لََا طََاقَةَ لَنََا بِهِ} [البقرة: 286] ، فلو لم يكن هذا ممكنا لما ساغت الاستعاذة منه [1] .

ويعتمد الزمخشري على العقل على أساس قاعدة مذهبه في التحسين والتقبيح عند الآية: {وَيَنْهى ََ عَنِ الْفَحْشََاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90] مبينا أن «الفواحش ما جاوز حدود الله والمنكر ما تنكر العقول» [2] إلا أن المنكر عند أهل السنة ما أنكره الشرع إذا الشرع عندهم هو الذي يحسن ويقبح [3] .

أما المعتزلة فلا يخلو فعل الله تعالى عندهم من غرض وصلاح للخلق لأنه تعالى خلق العالم لعلة وغاية هي النفع والإحسان، فهو تعالى عالم حكيم والحكيم لا بفعل فعلا إلا لعلة وغرض، وهو يتعالى ويتقدس عن الأغراض وعن الضرر والانتفاع لذا فرعاية الصلاح في فعله تعالى عندهم واجبة وذلك لنفي العبث في الحكم عن حكمته ولإبطال السفه عنه في خلقه وصنعته. ويبدو أن هذا هو الذي يضمنه الزمخشري قوله عند الآية: {خَلَقَ اللََّهُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [العنكبوت: 44] بالحق: «أي بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل، وهو أن تكون مساكن عباده وعبرة للمعتبرين منهم ودلائل على عظم قدرته» [4] .

ولما كان المعتزلة يبنون على استحقاق العقاب ومنافاته للثواب إحباط الطاعات بالمعاصي لذا رأى جمهورهم ومعهم الخوارج [5] أن كبيرة واحدة تحبط جميع

(1) انظر كتاب الإرشاد، ص 94.

(2) الكشاف، ج 2، ص 425.

(3) انظر تفسير القرطبي، ج 2، ص 210.

(4) الكشاف، ج 3، ص 207.

(5) انظر النيسابوري (أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد(ت 478هـ) ، الغنية في أصول الدين، تحقيق عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الخدمات والأبحاث الثقافية، بيروت، 1987م، ط 1، ص 170، 171 والإيجي، المواقف في علم الكلام، ج 3، ص 503502501.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت