الحرج فأمر ببلوغ الوسع، وأن ما وراءه معفوّ عنه» [1] وفي باب الطهارة في قوله عز وجل: {مََا يُرِيدُ اللََّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] قال: «حتى لا يرخص لكم في التيمم ولكن يريد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّر بالماء» [2]
والنفقة عند الآية: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمََّا آتََاهُ اللََّهُ لََا يُكَلِّفُ اللََّهُ نَفْسًا إِلََّا مََا آتََاهََا} [الطلاق: 4] بأن ينفق «كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه» [3] .
ويمكن أن نشير إلى ما لخّصه ابن المرتضى (ت 840هـ) في الاحتجاج بهذه الآيات ونحوها أنها شاهدة على اعتبار ما يسمى حجة في عرف العقلاء وامتناع نقيضها على الله تعالى، وأنه معروف بالضرورة من الكتب السماوية، ورسالات الرسل التي نص فيها الدين على ما يتطلبه ذلك مما لا يحصى كثرة من سعة رحمة الله وعدله وفضله العظيم وحكمته وشمول نعمته، إذ سمح الله عز وجل من الوسع الممكّن ما لا يحصى [4] .
والمفهوم من هذا كله أن معنى التكليف مرتبط بمقدرات الإنسان إذ لا يكلف إلا بما هو قادر عليه ومتمكن منه من إيمان وكفر وطاعة وعصيان. ونفهم من عمق تعلق التكليف بالقدرة الإنسانية أن المعتزلة أرادوا أن نسبة الخلق والصنع في الفعل الإنساني إلى فاعله إنما يكون بحسب قدرته واستطاعته [5] ، وإلا فإن التكليف يصبح غير مطاق وبالتالي يتعارض مع العدل الإلهي. وقد رأى إمام الحرمين من أهل السنة كثرة صور ما لا يطاق وذلك مثل جمع الضدين كأن يجوز تكليف العبد القيام مع كونه قاعدا وقت أمره، ورغم أن القاعد عندهم غير قادر على القيام بالدليل إلا أنه إذا جاز أن يكون القيام مأمورا به قبل أن يقدر عليه رغم أن ذلك
(1) م ن، ج 2، ص 61.
(2) م ن، ج 1، ص 598.
(3) م ن، ج 4، ص 123122.
(4) انظر إيثار الحق على الخلق في ردّ الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، ص 325.
(5) أجمع المعتزلة بأن الاستطاعة قدرة على الفعل وعلى ضده وهذه القدرة تكون قبل الفعل، ولا تكون موجبة له. وهم أجمعوا أيضا أن الله لا يكلف الإنسان ما لا يطيق: انظر الأشعري، مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ص 300.