فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 451

وللعقل دور كبير في تفسير المصنف فهو من أدوات خدمة أصول مذهبه، ويظهر ذلك في تفسير الآية: {وَلَقَدْ بَعَثْنََا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللََّهَ وَاجْتَنِبُوا الطََّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللََّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلََالَةُ} [النحل: 36] «قال:

ولقد أمد إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا، وقد بعث فيهم رسولا يأمر بالخير الذي هو الإيمان، وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت، فمنهم من هدى الله أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلََالَةُ} أي ثبت عليه الخذلان والشرك من اللطف لأنه عرفه مصمما على الكفر، لا يأتي منه خير {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا} ما فعلت بالمكذّبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنّي لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار» [1] .

ومما أثبت فيه دور العقل لينتصر فيه للاعتزال مبينا بأنه يستحيل أن يكلف الله تعالى الإنسان ما لا يطيق لأنه ظلم وجور قوله عند الآية: {إِنَّ اللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسََانِ} [النحل: 90] : «العدل هو الواجب لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم تحت طاقتهم» [2] ، ومما استدل به وفق هذا المنهج إقرارا لعدل الله، وبأنه لا يكلف العبد إلا في نطاق وسعه وما يتيسر له ما قاله عند الآية: {لََا يُكَلِّفُ اللََّهُ نَفْسًا إِلََّا وُسْعَهََا} [البقرة: 286] : «أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر له دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللََّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة» [3] . وجاء من هذا المعنى عند الآية: {وَلََا تَقْرَبُوا مََالَ الْيَتِيمِ إِلََّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتََّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزََانَ بِالْقِسْطِ لََا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلََّا وُسْعَهََا}

[الأنعام: 152] «إلا ما يسعها ولا تعجز عنه، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه

(1) الكشاف، ج 2، ص 409.

(2) م ن، ج 2، ص 424.

(3) الكشاف، ج 1، ص 408.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت