وتفسيره الآية: {وَلََكِنْ لَعَنَهُمُ اللََّهُ بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 46] : «أي خذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم عن ألطافه» [1] ينزع فيه منزع ما تعتقده فرقته: أي أبعدهم عن توفيقه وتسديده ولم يحدث فيهم من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين كنحو قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً} [محمد: 17] «فتركه سبحانه أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين» [2] .
وحين يفسر قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدََادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللََّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلََا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 4137] يوظف ألفاظا يضمنها أفكار المعتزلة «كاللطف» و «ما يستحقون به المغفرة» و «يستوجبون اللطف» و «الفاسق» قال: «والمعنى أنّ الذين تكرّر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة، ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى، وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الرّدة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم، ولم يغفر لهم لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون.
وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع لا يكاد يرجى منه الثبات» [3] فليس في الآية الكريمة ما يخالف القاعدة الثانية في أن التوبة مقبولة على الإطلاق، وإنما المراد أنه لا تكون منهم توبة ليكون قبول فالوارد خبر لا حكم فالمخبر عنهم من سبق في علمه عز وجل أنه لا يتوب [4] .
(1) الكشاف: ج 1، ص 531.
(2) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص، 328والمعتزلة مختلفون في الخذلان. يراه بعضهم: تسميته إياهم والحكم عليهم بأنهم مخذلون وآخرون: الخذلان عقوبة من الله تعالى وهو ما يفعله بهم من العقوبات. وغيرهم من أهل الإثبات فرّعوه إلى الخذلان قوة الكفر، وإلى معنى آخر: خذلهم: أي خلق كفرهم.
(3) الكشاف: ج 1، ص 572.
(4) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص 571.