ولما كان صاحب الكشاف ينكر رؤية الله عز وجل على أصل مذهبه ذهب في تفسير قوله سبحانه: {فَأَخَذَتْهُمُ الصََّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153] إلى تعزيز مذهبه الاعتزالي في استحالة الرؤية مؤوّلا: [بظلمهم] «بسبب سؤالهم الرؤية» ولو طلبوا أمرا جائزا لما سموا ظالمين، ولما أخذتهم الصاعقة. كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمّه ظالما ولا رماه بالصاعقة» [1] . ولئن كان سؤالهم ليس محالا عقلا كما ذهب إلى ذلك أهل السنة إلا أنه ممتنع في الشرع لأن الله تعالى أخبر عن طريق أنبيائه أنه لا يرى في الحياة الدنيا. أما هي في الآخرة فثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر وجائزة مع ذلك عقلا، وهي عند المعتزلة محال عقلا في الدنيا والآخرة [2] .
واتفق المعتزلة على أن المعارف كلها معقولة وواجبة بنظر العقل، ومن أن النظر العقلي الذي يؤدي إلى معرفة الله تعالى وشكره ومعرفة الحسن والقبح تجب معرفتهما بالعقل، وأن اتباع الحسن واجتناب القبيح كلها تجب على المفكر حتى قبل مجيء الوحي، وإن قصّر في شيء من هذا استوجب العقوبة، فقد اتفق أبو علي الجبائي (ت 303هـ) وابنه أبو هاشم (ت 321هـ) على «أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية، وأثبتا شريعة عقلية، وردّا الشريعة النبوية إلى مقدورات الأحكام، ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل، ولا يهتدي إليها فكر» [3] فهم أثبتوا للعقل وظيفة أساسية في وضع مقاييس الأحكام على الحسن والقبح، وليس لمجرد الكشف عليها، وإنما أوجبوا أن تكون أحكامها لا تتبيّن إلا به، إذ ينبئ العقل عندهم عن صفات الأفعال وعن استحقاقها للأحكام الآجلة أي الثواب والعقاب الإلهين. فهذه الأحكام التي يطلقها العقل واجبة قبل مجيء الشرع، وليست الأوامر سوى مجرد توكيد وإثبات لأحكام الشريعة العقلية.
(1) الكشاف، ج 1، ص 577.
(2) انظر أحمد بن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص، 577وكذا أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج 4، ص، 121وكذا د. محمود كامل أحمد، مفهوم العدل في تفسير المعتزلة للقرآن الكريم، ص 8483.
(3) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 92، 91وكذا الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص 323وما بعدها. وزهدي جار الله، المعتزلة، ص، 115ودي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 92.